كتاب الراي

إلزامية المحامي في قضايا الجنايات… بين حق المتقاضي في الدفاع وضمانات العدالة

إلزامية المحامي في قضايا الجنايات... بين حق المتقاضي في الدفاع وضمانات العدالة

Spread the love

هل يفرض القانون المحامي على المتقاضي؟ بين حرية الاختيار وضمانات العدالة.
بقلم: الأستاذة فاطمة فاروق
مراسلة متعاونة

مع جريدة صوت الأطلس – تطوان

يثير موضوع إلزامية مؤازرة المحامي في قضايا الجنايات نقاشًا قانونيًا لا يخلو من أبعاد حقوقية وإنسانية، خاصة عندما يتساءل المواطن: إذا كنت مقتنعًا بقدرتي على الدفاع عن نفسي، فلماذا يلزمني القانون بالاستعانة بمحام؟ وهل يمثل ذلك تقييدًا لحقي في الدفاع عن نفسي، أم أنه إجراء يراد به حمايتي وضمان محاكمة عادلة؟
هذه الأسئلة لا تعكس مجرد فضول قانوني، بل تمس صميم العلاقة بين المواطن ومنظومة العدالة، وتدفع إلى فهم الفلسفة التي اعتمدها المشرع عند إقرار إلزامية حضور المحامي في القضايا الجنائية.
فالمسألة لا ترتبط بالتشكيك في ذكاء المتقاضي أو مستواه العلمي أو ثقافته القانونية، بل بطبيعة الجناية نفسها وما قد يترتب عنها من عقوبات سالبة للحرية قد تصل إلى السجن المؤبد، أو غيرها من العقوبات الخطيرة التي تستوجب توفير جميع ضمانات المحاكمة العادلة.
ومن هذا المنطلق، يرى عدد من المختصين أن وجود المحامي لا يعني انتزاع حق المتهم في الدفاع عن نفسه، وإنما يمثل دعمًا قانونيًا ومهنيًا يساعد المحكمة على الوصول إلى الحقيقة في إطار احترام حقوق الدفاع والإجراءات القانونية السليمة.
وفي المقابل، يطرح المواطنون تساؤلات مشروعة حول مدى قدرة المحامي على أداء رسالته في ظل الإكراهات العملية التي قد تواجه مهنة الدفاع، وما إذا كانت جميع فئات المجتمع تستطيع الولوج إلى دفاع قانوني يحقق مبدأ المساواة أمام القضاء. وهي أسئلة تستحق نقاشًا هادئًا ومسؤولًا بعيدًا عن الأحكام المسبقة.
ومن المثير للاهتمام أن المحامي نفسه، عندما يجد نفسه طرفًا في نزاع قضائي، غالبًا ما يختار أن يتولى الدفاع عنه زميل آخر، ليس لأنه يجهل القانون، وإنما لأن القرب النفسي من القضية قد يؤثر في موضوعية الترافع، بينما يوفر الدفاع المهني رؤية أكثر توازنًا وهدوءًا.
كما أن التجارب التاريخية والفكرية تؤكد أن العدالة لا تقوم فقط على معرفة النصوص القانونية، بل تحتاج إلى دفاع مهني قادر على تقديم الحجج والدفوع وفق قواعد القانون والإجراءات القضائية، بما يحفظ حقوق جميع الأطراف.
ويبقى الأهم أن يشعر المواطن بأن العدالة لا تقتصر على إصدار الأحكام، بل تقوم أيضًا على ضمان حق الدفاع، والمساواة أمام القانون، واحترام الكرامة الإنسانية، وترسيخ الثقة في القضاء باعتباره الحصن الذي يلجأ إليه الجميع لحماية الحقوق وصون الحريات.
إن النقاش حول إلزامية المحامي ليس خلافًا حول دوره، بل هو فرصة لتعزيز الوعي القانوني، وتقريب فلسفة التشريع من المواطن، حتى يدرك أن الغاية الأساسية من هذه الضمانات هي حماية حقوقه، وترسيخ محاكمة عادلة تتوافر فيها كل شروط الإنصاف وسيادة القانون.
وإذا كان هذا الموضوع يثير آراء متباينة، فإن النقاش العلمي والقانوني الهادئ يبقى السبيل الأمثل لتقريب المواطن من فلسفة العدالة، وتعزيز ثقته في مؤسساتها، بما يخدم دولة الحق والقانون.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى