مجتمع

من صنع الزجاجة.ومن باعة عنقها؟..كمن يصنع الداء ويبيعك الدواء

من صنع الزجاجة.ومن باعة عنقها؟..كمن يصنع الداء ويبيعك الدواء

Spread the love

من صنع الزجاجة، ومن باعنا عنقها مخرجا؟… كمن يصنع الداء ويبيعك الدواء
المنسق الجهوي للشبكة الوطنية لحقوق الإنسان ومراسل الواجهة
: أحمد زعيم

مع إنطلاق الحملة الإنتخابية للإستحقاقات التشريعية المقرر إجراؤها يوم 23 شتنبر 2026، تعود الوجوه السياسية إلى القرى والبوادي، والمدن والأسواق والخيم والفضاءات العمومية..، محملة بالوعود والحلول والشعارات، وكأن موسم الإنتخابات هو موسم المعجزات، وكأن الخلاص هذه المرة أيضا يمر بالضرورة من “عنق الزجاجة”.
تتغير المنصات، وتتبدل الوجوه، وتتجدد اللغة، لكن شيئا آخر يحدث بهدوء: نتطبع مع الأزمات حتى تصبح جزءا من المشهد، ثم نتطبع مع المصطلحات التي تصفها، ثم مع الشعارات التي تَعِد بتجاوزها، إلى أن يصبح تكرارها كافيا لجعلها تبدو وكأنها حقائق طبيعية لا تحتاج إلى مساءلة.
وهكذا لا تعود الأزمة، مع مرور الوقت، أزمة بالمعنى الكامل للكلمة، بل تتحول إلى مصطلح متداول، ثم إلى شعار مألوف، ثم إلى عنوان يُرفع في المنصات واللقاءات، ثم إلى مادة جاهزة لإعادة الترويج مع كل استحقاق. وقد يصبح الخطر الأكبر ليس فقط في وجود الأزمة، وإنما في الإعتياد عليها، وفي قبول اللغة التي تصفها وكأنها قدر لا بديل عنه.
فالسياسة لا تصنع الواقع بالقرارات وحدها، وإنما تصنعه أيضا بالمفاهيم والمصطلحات التي تقدم بها هذا الواقع للناس. وحين يتكرر المصطلح بما يكفي، قد يفقد قدرته على إثارة السؤال، وحين يتكرر الشعار بما يكفي، قد يتحول من وعد يحتاج إلى دليل إلى عبارة يُفترض أن تُصدق بمجرد سماعها.
من هنا، لا ينبغي للذاكرة السياسية أن تُمحى مع كل موعد إنتخابي. فبعض من يقدمون أنفسهم اليوم بإعتبارهم جزءا من الحل، سبق لهم أن كانوا في مواقع مختلفة داخل المشهد السياسي والمؤسساتي، كل بحسب موقعه ودوره وإختصاصه، في مراحل ساهمت في تشكيل الواقع الذي يُقدم اليوم بإعتباره أزمة تحتاج إلى حلول جديدة.
بالأمس كانت هناك مواقف وقرارات وتنسيقات، واليوم تتغير المنصات وتتبدل المفردات. بالأمس كانت المسؤولية موزعة داخل المشهد، واليوم تُقدم الوصفة أحيانا وكأنها إكتشاف جديد. ولذلك لا يتعلق الأمر بإصدار الأحكام أو بتوزيع المسؤوليات جزافا، وإنما بحق المواطن في أن يسأل: ماذا تغير فعلا؟ وما الذي تغير فقط في اللغة؟
وهنا تستعيد “الزجاجة” معناها الرمزي. إذا كان الواقع يشبه زجاجة نبحث جميعا عن مخرج منها، فلماذا ينحصر تفكيرنا دائما في كيفية العبور من عنقها؟ لماذا لا نسأل أولا: من صنع الزجاجة؟ ومن صمم عنقها؟ ومن أقنعنا بأن هذا العنق هو المخرج الوحيد؟
قد تكون المشكلة أحيانا في أننا اعتدنا الزجاجة إلى درجة أننا لم نعد نرى جدرانها، واعتدنا عنقها إلى درجة أننا لم نعد نتساءل إن كان هناك مخرج آخر. وهنا يتحول التطبيع مع الأزمة إلى تطبيع مع طريقة التفكير فيها، ثم يصبح تغيير المصطلح كأنه تغيير للواقع، وتغيير الشعار كأنه تغيير للسياسة، وتغيير الواجهة كأنه تغيير للقالب.
لكن تغيير اسم الأزمة لا يعني انتهاءها، كما أن إعادة صياغة الشعار لا تعني بالضرورة تغيير مضمونه. فقد تتغير الكلمات بينما تبقى المشكلة في مكانها، وقد تتبدل العناوين بينما يستمر القالب نفسه في إنتاج الأسئلة والأجوبة ذاتها.
وهنا تأتي صورة أخرى، مستقلة عن صورة الزجاجة: صورة الداء والدواء. ففي كل مرة تُقدم وصفة جديدة للخلاص، يظل من حق المواطن أن يسأل عن نتائج الوصفات السابقة، وعن أصحابها، وعن مدى إختلافها الحقيقي عما سبقها. فليس كل من يحمل وصفة جديدة قد جاء بالضرورة بدواء جديد، كما أن جاذبية الخطاب لا تكفي وحدها لإثبات نجاعة الحل.
ومن هنا تبدو عبارة “كمن يصنع الداء ويبيعك الدواء” أقرب إلى سؤال نقدي منها إلى حكم على شخص بعينه: ماذا لو تحول إنتاج الأزمة، أو المشاركة في تدبيرها، ثم إعادة تسويق علاجها، إلى حلقة تتكرر مع كل موسم إنتخابي؟
المطلوب إذن ليس رفض كل خطاب جديد، ولا التشكيك في كل من يقدم نفسه بإعتباره صاحب الحل، وإنما إستعادة حق المواطن في المقارنة والمساءلة: بين الشعار والنتيجة، بين الوعد والحصيلة، بين المصطلح ومضمونه، وبين الصورة التي تُسوق عن الواقع والواقع الذي يعيشه الناس.
فالإنتخابات ليست فقط مناسبة لتقديم المستقبل، وإنما أيضا لحظة لاستعادة الذاكرة. والناخب لا يحتاج إلى وعود جديدة فقط، بل يحتاج إلى أن يتذكر ما قيل بالأمس، وما تحقق اليوم، ومن كان في موقع القرار، ومن كان في موقع المعارضة، وما الذي تغير بالفعل وما الذي تغير في الخطاب فقط.
ربما آن الأوان، إذن، ألا نكتفي بالسؤال عن مخرج “عنق الزجاجة”، بل أن نسأل عن الزجاجة نفسها، وألا نكتفي بتغيير المصطلحات والشعارات، بل أن نسأل عن مضامينها ومن يروج لها، وألا نكتفي بتلقي الوصفة، بل أن نسأل عن الداء وعن نتائج الأدوية السابقة.
فالتغيير الحقيقي لا يكون في إستبدال الملصق على الزجاجة، ولا في إعادة تقديم الوصفة نفسها داخل علبة جديدة، وإنما في القدرة على مراجعة القالب الذي يعيد إنتاج المشكلة، وعلى كسر دائرة التطبيع مع الأزمة، ومع المصطلح، ومع الشعار، ومع فكرة أن ما اعتدناه هو بالضرورة ما يجب أن يستمر.
وفي النهاية، لا يحتاج المواطن إلى معجزة إنتخابية، بقدر ما يحتاج إلى ذاكرة لا تُمحى، وعين لا تنبهر بالملصقات، وعقل لا يخلط بين تغيير الاسم وتغيير المضمون.
فالسؤال ليس فقط: من يبيعنا المخرج؟
بل: من صنع الزجاجة، ومن أقنعنا بأن عنقها هو المخرج الوحيد، ومن يطلب منا اليوم أن نصدق أن تغيير الشعار قد يغير الواقع؟
وربما يكون السؤال الأكثر إلحاحا في هذا الموسم الإنتخابي:
هل نحن أمام تغيير حقيقي… أم أمام تطبيع جديد مع الأزمة، بمصطلحات جديدة، وشعارات جديدة، ووعود جديدة، داخل الزجاجة نفسها؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى