مجتمع

من «حفنة الفاكية بـ200 درهم» إلى تذاكر السفر: هل يصبح القانون ميزاناً واحداً للجميع؟

من «حفنة الفاكية بـ200 درهم» إلى تذاكر السفر: هل يصبح القانون ميزاناً واحداً للجميع؟

Spread the love

من جامع الفنا إلى تذاكر السفر: حين يصبح القانون ميزاناً واحداً للجميع
بقلم مدير النشر جريدة صوت الاطلس والأمين العام الشبكة الوطنية لحقوق الانسان
انوار حسن
الهاتف 0661548867

لم يكن الحكم القضائي الصادر في قضية بائع الفواكه الجافة بساحة جامع الفنا بمراكش مجرد نهاية لملف أثار اهتمام الرأي العام بسبب واقعة اشتهرت إعلامياً بعبارة «حفنة الفاكية بـ200 درهم»، بل يحمل، في نظرنا، رسالة أوسع تتعلق بحدود التعامل التجاري، واحترام المستهلك، وهيبة القانون عندما يتعلق الأمر باستغلال الثقة أو تجاوز القواعد المنظمة للأسعار والمعاملات.
وقد قضت المحكمة، وفق ما تم تداوله بشأن الملف، بعقوبة حبسية نافذة مدتها عشرة أشهر، في إطار ما انتهت إليه المسطرة القضائية من مسؤوليات وأفعال ثابتة في الملف.
ومن حق المجتمع أن يتساءل: ماذا نريد من القانون إذا لم يكن قادراً على حماية المواطن والزائر من كل أشكال الاستغلال؟
فالإسلام لم يجعل الغش أمراً عادياً يمكن التساهل معه، بل جاء الحديث الشريف واضحاً: «من غش فليس منا». وهذه ليست فقط مسألة دينية، وإنما هي أيضاً قيمة أخلاقية وإنسانية تقوم عليها الثقة في المعاملات.
والتاجر الذي يشتغل بشرف ووضوح ويحترم زبناءه لا يخشى المراقبة ولا يخشى القانون، لأن القانون في الأصل ليس عدواً للمهني النزيه، بل هو حماية له وللمستهلك في الوقت نفسه.
أما حين تتحول المعاملة التجارية إلى محاولة لتحقيق ربح غير مشروع على حساب جهل الزبون بالسعر أو ثقته في البائع، فإن الأمر يتجاوز حدود الربح التجاري المشروع، ويصبح موضوعاً يستوجب المراقبة والتدخل وفق القانون.
وقضية جامع الفنا تؤكد كذلك أن الشهرة السياحية للمدينة لا ينبغي أن تكون مبرراً لأي تجاوز. فالسائح الذي يأتي إلى مراكش لا يأتي فقط لالتقاط الصور وزيارة المعالم، وإنما يأتي وهو يحمل معه ثقة في بلد يستقبله ويحترم حقوقه.
ومن الخطأ أن يُفهم من هذه القضية أن جميع الباعة أو التجار متهمون أو غير نزهاء. هذا تعميم مرفوض. فهناك مهنيون شرفاء يؤدون عملهم باستقامة، ويستحقون الاحترام والتقدير. لكن احترام هؤلاء المهنيين يقتضي أيضاً محاسبة كل من تثبت في حقه مخالفات، حتى لا تتساوى النزاهة مع الاستغلال.
وهنا تصل الرسالة إلى نقطة أبعد من ساحة جامع الفنا.
إذا كان القانون قادراً على الوصول إلى تجاوزات في محل أو حنطة داخل فضاء سياحي، فإن المواطن ينتظر بالمنطق نفسه أن تمتد المراقبة إلى كل المجالات التي يمكن أن يتعرض فيها المستهلك لضغط الأسعار أو الاستغلال، دون انتقائية ودون استثناءات.
ولعل من أبرز الأمثلة التي تستحق الانتباه أسعار تذاكر السفر خلال الأعياد الوطنية والعطل المدرسية والمناسبات التي تعرف ارتفاعاً كبيراً في الطلب.
المواطن المغربي الذي يريد السفر لزيارة أسرته أو قضاء عطلة لا ينبغي أن يجد نفسه أمام أسعار يصعب عليه فهم أسباب ارتفاعها، ولذلك فإن المطلوب ليس اتهام شركة أو جهة دون دليل، وإنما المطالبة بمراقبة قانونية ومؤسساتية تضمن الوضوح والشفافية وتحمي المستهلك.
فإذا كان القانون يفرض احترام السعر والشفافية في معاملة تجارية صغيرة، فمن باب أولى أن تكون هناك رقابة فعالة على القطاعات التي تمس جيوب ملايين المواطنين.
العدالة الاجتماعية لا تقاس فقط بالأحكام القضائية، وإنما أيضاً بمدى شعور المواطن بأن القانون يطبق على الجميع بالمعيار نفسه.
إن المواطن البسيط لا يريد امتيازات، ولا يريد أن يكون فوق القانون؛ هو يريد فقط أن يعرف أن القانون يقف إلى جانبه عندما يتعرض للاستغلال، وأن المؤسسات الرقابية والقضائية قادرة على التدخل متى توفرت المعطيات القانونية التي تستوجب ذلك.
ومن هذا المنطلق، فإن الحكم الصادر في قضية بائع الفواكه الجافة بجامع الفنا ينبغي أن يُقرأ باعتباره رسالة ردع لكل من قد يفكر في جعل التلاعب أو استغلال المستهلك وسيلة للربح، وفي الوقت نفسه رسالة طمأنة للمهنيين النزهاء بأن احترام القانون يحميهم ولا يضرهم.
والأهم من كل ذلك أن تبقى الكلمة الأخيرة للقضاء في الملفات التي تعرض عليه، بعيداً عن التشهير أو إصدار أحكام إعلامية مسبقة.
إن جريدة صوت الأطلس تؤمن بأن الصحافة المسؤولة لا تبحث عن إدانة الأشخاص، وإنما تبحث عن الحقيقة، وتنقل ما ثبت، وتحترم القضاء، وتضع قضايا المواطن في صلب اهتمامها.
فمن جامع الفنا إلى وسائل النقل، ومن الأسواق إلى مختلف الخدمات، تبقى القاعدة واحدة:
لا للغش، لا لاستغلال المستهلك، لا للتلاعب بالأسعار، ونعم لقانون يطبق على الجميع دون تمييز.
وإذا كان المواطن قد رأى في هذا الحكم حماية لحقه في معاملة تجارية نزيهة، فإن الأمل أن تمتد روح المراقبة القانونية إلى كل المجالات التي تحتاج إلى حماية المستهلك، حتى يشعر الجميع بأن العدالة ليست انتقائية، وأن القانون فوق القوة، والوطن للجميع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى