مشروع قانون المحاماة رقم 66.23 بين متطلبات الإصلاح وضمانات استقلال مهنة الدفاع بقلم: الأستاذة فراخ نعيمة – بني ملال لفائدة جريدة صوت الأطلس
يشكل مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة محطة تشريعية مهمة أثارت نقاشاً واسعاً داخل الأوساط القانونية والمهنية، باعتبار أن المحاماة ليست مجرد مهنة قانونية، بل هي شريك أساسي في تحقيق العدالة وصون حقوق المتقاضين وترسيخ مبادئ المحاكمة العادلة. ومن هذا المنطلق، فإن إخضاع المشروع لرقابة المحكمة الدستورية يكتسي أهمية بالغة، باعتبارها الجهة المؤتمنة على ضمان انسجام القوانين مع مقتضيات الدستور والمبادئ الحقوقية التي التزم بها المغرب. وتنطلق القراءة القانونية لهذا المشروع من محاولة تحقيق توازن دقيق بين ضرورة تحديث الإطار المنظم للمهنة، وبين الحفاظ على خصوصياتها المرتبطة باستقلال الدفاع وحرية ممارسة المحامي لمهامه. أولاً: الحوار المهني والمقاربة التشاركية إن إعداد القوانين المرتبطة بالمهن المنظمة يقتضي بالضرورة الانفتاح على آراء الفاعلين المعنيين، لأن التشاور يساهم في إنتاج نصوص أكثر واقعية وقابلية للتطبيق. وقد أكد دستور المملكة لسنة 2011 على أهمية الديمقراطية التشاركية، وإشراك مختلف مكونات المجتمع المدني والهيئات المهنية في مناقشة السياسات العمومية. غير أن هذا المبدأ لا يعني منح أي جهة مهنية سلطة التشريع، لأن الاختصاص يبقى للمؤسسة التشريعية، وإنما يهدف إلى ضمان حوار مؤسساتي يثري النصوص القانونية ويجنب ظهور إشكالات عند التطبيق. ثانياً: مراقبة حسابات ودائع وأداءات المحامين من بين المقتضيات التي أثارت النقاش، تلك المتعلقة بتنظيم حسابات الودائع والأداءات الخاصة بالمحامين وإخضاعها للمراقبة. ولا شك أن حماية أموال الموكلين وتعزيز الثقة في العدالة هدف مشروع، غير أن خصوصية هذه الأموال تطرح تساؤلات مرتبطة بطبيعتها، باعتبار أنها غالباً أموال خاصة تعود للمتقاضين وليست أموالاً عمومية. كما أن أي مراقبة يجب أن تراعي مبدأ السر المهني، الذي يعد من أهم ركائز العلاقة بين المحامي وموكله، فلا يمكن أن تتحول الرقابة المالية إلى وسيلة للاطلاع على معطيات مرتبطة بالقضايا أو الأسرار المهنية. ومن هنا، فإن نجاح هذا المقتضى يبقى رهين وضع ضمانات دقيقة تحدد نطاق المراقبة وتحمي المعطيات الشخصية وتحافظ على استقلالية الدفاع. ثالثاً: استقلال الهيئات المهنية والتنظيم الذاتي تعتبر قدرة المحامين على تدبير شؤونهم المهنية وانتخاب ممثليهم من المبادئ الأساسية المرتبطة باستقلال المحاماة. ولا يعني التنظيم الذاتي غياب الرقابة أو الإفلات من المسؤولية، وإنما يعني منح المهنيين مساحة مناسبة لتدبير شؤونهم الداخلية وفق القانون، مع إمكانية اللجوء إلى القضاء عند وجود تجاوزات. ويبقى دور المشرع ضرورياً في وضع القواعد العامة المنظمة للمهنة، لكن ينبغي أن تكون هذه القواعد متوازنة، فلا تؤدي إلى الحد من حرية الهيئات في اختيار قياداتها أو ممارسة اختصاصاتها المهنية. رابعاً: حماية حرية المحامي أثناء ممارسة الدفاع تظل حرية الدفاع من أهم الضمانات التي تقوم عليها العدالة، لذلك فإن أي تنظيم قانوني يجب أن يحرص على حماية المحامي أثناء قيامه بواجبه المهني. فالمحامي مطالب بالدفاع عن حقوق موكله بكل الوسائل القانونية، مع احترام أخلاقيات المهنة وهيبة القضاء. غير أن استعمال عبارات عامة مثل الإخلال بنظام الجلسة يستوجب تحديداً دقيقاً حتى لا يؤدي إلى اختلاف التأويلات بين ما يدخل في إطار ممارسة الدفاع وما يعتبر تجاوزاً مهنياً. والتوازن المطلوب هنا هو حماية حرية المحامي في التعبير عن دفوعه، مع الحفاظ في الوقت نفسه على احترام المؤسسة القضائية ونظام الجلسات. خامساً: المرجعيات الدولية ودورها في تقييم النص تستند العديد من النقاشات المرتبطة باستقلال المحاماة إلى المبادئ الأساسية للأمم المتحدة بشأن دور المحامين المعتمدة سنة 1990، والتي تؤكد على ضرورة حماية المحامي من أي تدخل غير مشروع، وضمان سرية العلاقة مع الموكل، واحترام استقلال الهيئات المهنية. كما أن هذه المبادئ تشكل مرجعاً يساعد على قراءة النصوص الوطنية بما ينسجم مع التزامات المغرب في مجال حقوق الإنسان وضمانات العدالة. قراءة استشرافية لدور المحكمة الدستورية من خلال طبيعة الإشكالات المطروحة، فإن تدخل المحكمة الدستورية قد ينصب أساساً على البحث عن التوازن بين أهداف الإصلاح التشريعي وبين حماية المبادئ الدستورية. وقد تتجه إلى التأكيد على مشروعية بعض المقتضيات المتعلقة بالشفافية والمراقبة، مع التشديد على ضرورة احترام السر المهني وعدم المساس باستقلال الدفاع. كما قد تعمل على ضبط بعض العبارات القانونية التي تحتمل أكثر من تفسير، خصوصاً تلك المرتبطة بحرية المحامي أثناء أداء مهامه. خلاصة إن إصلاح مهنة المحاماة يظل ورشاً مجتمعياً مهماً، لأن قوة العدالة لا تقاس فقط بجودة النصوص القانونية، وإنما أيضاً بمدى احترام استقلال الفاعلين فيها وضمان حقوق المتقاضين. فالمطلوب ليس مهنة خارج نطاق المسؤولية، كما أنه ليس تنظيماً يقيد استقلالها، وإنما بناء نموذج متوازن يقوم على الحرية المهنية، المسؤولية، الشفافية، واحترام دولة القانون. ويبقى الرهان الأساسي هو جعل مشروع القانون رقم 66.23 خطوة نحو تعزيز الثقة في العدالة وترسيخ مكانة المحاماة كحصن من حصون الدفاع عن الحقوق والحريات.