قانون المحاماة بين حسم تشريعي في البرلمان وتوتر مهني متصاعد بقلم: الأستاذة سعاد المبروك – مراسلة متعاونة مع جريدة صوت الأطلس / الرباط
لم تمر المصادقة على مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة داخل لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس النواب، في قراءته الثانية، دون أن تثير نقاشاً يتجاوز الطابع التقني للنص، ليعكس في عمقه توازناً دقيقاً بين منطق التشريع ومنطق التمثيلية المهنية. فقد أنهت اللجنة أشغالها بعد جلسة مطولة استمرت لساعات، انتهت إلى اعتماد المشروع بالأغلبية، في سياق تباين واضح في المواقف بين مكونات الأغلبية والمعارضة، حول عدد من المقتضيات التي اعتُبرت مفصلية في إعادة رسم الإطار القانوني المنظم لمهنة المحاماة. ووفق المعطيات التي رافقت عملية التصويت، فقد حظي المشروع بموافقة أغلبية أعضاء اللجنة، مقابل معارضة محدودة، دون تسجيل امتناع عن التصويت، وهو ما يعكس توجهاً تشريعياً حاسماً في اتجاه تمرير النص مع إدخال تعديلات على بعض مواده المثيرة للنقاش. في صلب هذا النقاش، برزت مسألة سن الولوج إلى المهنة، حيث تم تثبيت سقف 45 سنة، مع رفض تعديل سابق كان قد رفعه مجلس المستشارين إلى 50 سنة، في تأكيد على اعتماد مقاربة تشريعية تميل إلى الحفاظ على شروط الولوج كما أقرها مجلس النواب في القراءة الأولى. كما أثارت المادة المتعلقة بولوج بعض الفئات المهنية، وعلى رأسها كتاب الضبط، نقاشاً لافتاً، قبل أن يتم اعتماد صيغة “اختبار التقييم” بدل “امتحان الولوج”، وهو خيار دافع عنه وزير العدل باعتباره آلية لضبط الكفاءة وضمان الحد الأدنى من الجاهزية المهنية قبل الالتحاق بالمهنة. ويُسجل في هذا السياق أن وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، كان حاضراً بقوة في النقاشات التي طبعت أشغال اللجنة، خصوصاً في القضايا التي مست طبيعة الولوج إلى المهنة وحدود تنظيمها. أما المادة 75-1، فقد شكلت أحد أبرز نقاط التوتر داخل اللجنة، بالنظر إلى ما أثارته من تخوفات مرتبطة بإمكانية إخضاع حسابات ودائع هيئات المحامين لرقابة المجلس الأعلى للحسابات. ففي الوقت الذي اعتبر فيه مؤيدو المقتضى أنه يندرج ضمن تعزيز الشفافية وحماية أموال المتقاضين، رأى معارضوه أنه يطرح إشكالات مرتبطة باستقلالية المهنة وحدود تدخل السلطة الرقابية في تدبير شؤونها. وفي خضم هذا التباين، تم اعتماد المادة بالأغلبية، بما يعكس تغليب المقاربة التشريعية التي تسعى إلى توسيع آليات المراقبة المالية، مقابل استمرار التحفظ المهني على بعض أبعادها. كما عرفت المادة المتعلقة بتمثيلية المحامين داخل مجالس الهيئات العودة إلى الصيغة التي سبق أن صادق عليها مجلس النواب، بعد التراجع عن تعديل سابق لمجلس المستشارين، في إشارة إلى استقرار نسبي في تصور المؤسسة التشريعية لبنية التمثيل داخل المهنة. من جهة أخرى، تمت المصادقة على مقتضيات تنظيم عدد أعضاء مجالس هيئات المحامين وفق حجم كل هيئة، في خطوة ترمي إلى ملاءمة البنية التمثيلية مع الواقع العددي للمحامين، بما يضمن توزيعاً أكثر توازناً للمسؤوليات داخل التنظيمات المهنية. غير أن المسار التشريعي لهذا المشروع لا يبدو أنه انتهى عند حدود اللجنة، إذ يتزامن مع تصاعد لافت في موقف جمعية هيئات المحامين بالمغرب، التي عبرت عن رفضها لعدد من مضامينه، ولوحت بإمكانية خوض أشكال احتجاجية تصعيدية، في حال استمرار تمرير مقتضيات تعتبرها ماسة باستقلالية المهنة وضماناتها الدستورية. وبين منطق الدولة في إعادة هيكلة الإطار القانوني للمهنة، ومنطق الهيئات المهنية في الدفاع عن استقلاليتها، يبدو أن مشروع قانون المحاماة يفتح مرحلة جديدة من النقاش المؤسساتي حول حدود التنظيم والتوازن بين الرقابة والاستقلال داخل المهن القانونية بالمغرب.