مجتمع

الأمراض النفسية بين الشباب.. حين تتحول ضغوط الحياة إلى أزمة صامتة تهدد المجتمع. تحت مجهر الشبكة الوطنية لحقوق الانسان

الأمراض النفسية بين الشباب.. حين تتحول ضغوط الحياة إلى أزمة صامتة تهدد المجتمع. تحت مجهر الشبكة الوطنية لحقوق الانسان

Spread the love

الأمراض النفسية بين الشباب… أزمة صامتة تهدد مستقبل الأجيال.
تحت مجهر الشبكة الوطنية لحقوق الانسان
بقلم مدير جريدة صوت الاطلس والأمين العام الشبكة الوطنية لحقوق الانسان..
انوار حسن الهاتف 0661548867

في خضم التحولات الاجتماعية والاقتصادية المتسارعة التي يعرفها العالم اليوم، لم تعد الأمراض النفسية مجرد حالات فردية معزولة، بل أضحت ظاهرة مجتمعية تستوجب الوقوف عند أسبابها الحقيقية ومخاطرها المتنامية، خاصة في صفوف الشباب الذين يشكلون عماد الحاضر وأمل المستقبل.
ومن خلال احتكاكي اليومي بمختلف فئات المجتمع، سواء من خلال العمل الإعلامي أو الحقوقي، أصبحت ألاحظ بشكل مباشر تنامي مظاهر القلق والتوتر وفقدان الثقة بالنفس لدى عدد متزايد من الشباب. وهي مؤشرات لا يمكن فصلها عن الظروف المعيشية الصعبة التي يواجهونها، وعلى رأسها البطالة، وغلاء المعيشة، وضعف فرص الاندماج الاجتماعي والمهني، إضافة إلى تراجع منسوب الثقة داخل بعض العلاقات الأسرية والاجتماعية.
إن الواقع الذي يعيشه جزء مهم من الشباب اليوم يتجاوز مجرد الإكراهات المادية، ليصل إلى مرحلة الإحساس بالإحباط وفقدان الأمل في المستقبل. فحين يجد الشاب نفسه عاجزاً عن تحقيق أبسط تطلعاته المشروعة في العمل والاستقرار والعيش الكريم، يصبح أكثر عرضة للاضطرابات النفسية التي قد تتطور إلى حالات من العزلة والاكتئاب والانطواء.
وفي المقابل، فرضت وسائل التواصل الاجتماعي نفسها كفاعل مؤثر في تشكيل السلوكيات والتصورات. ورغم ما تقدمه من فرص للتواصل والانفتاح، فإنها ساهمت أيضاً في خلق ضغوط نفسية جديدة قائمة على المقارنة المستمرة بالآخرين، والسعي وراء الشهرة السريعة والمظاهر الخادعة، مما أدى إلى ترسيخ شعور بالنقص لدى البعض، خاصة عندما تصبح القيمة الإنسانية مرتبطة بما يملكه الفرد لا بما يحمله من علم أو أخلاق أو كفاءة.
كما أن تراجع فضاءات الحوار الأسري والتواصل الإنساني الحقيقي أفرز نوعاً من العزلة الاجتماعية المقنعة، حيث يعيش الكثير من الشباب وسط عالم افتراضي مزدحم بالمتابعين والتفاعلات، لكنه يفتقر إلى الصداقة الصادقة والدعم النفسي الحقيقي والإحساس بالأمان الاجتماعي.
ومن وجهة نظري المتواضعة، فإن أخطر ما يواجه مجتمعاتنا اليوم ليس فقط الأزمة الاقتصادية أو التطور التكنولوجي المتسارع، بل التحول التدريجي نحو ثقافة تجعل المادة معياراً وحيداً للنجاح، في مقابل تراجع الاهتمام ببناء الإنسان فكرياً وأخلاقياً وثقافياً. فالأمم لا تقاس بحجم ثرواتها فقط، بل بقدرتها على صناعة إنسان متوازن نفسياً، واعٍ بقيمه، ومؤمن بدوره داخل المجتمع.
لذلك فإن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب تضافر جهود الجميع؛ الأسرة، والمدرسة، والإعلام، والمجتمع المدني، والمؤسسات الثقافية والدينية، من أجل إعادة الاعتبار لقيم الحوار والتربية والتضامن والعمل الجاد، وخلق بيئة صحية تساعد الشباب على مواجهة تحديات الحياة بثقة وأمل.
إن الصحة النفسية ليست ترفاً اجتماعياً، بل هي أساس الاستقرار والتنمية. وحماية شبابنا من الانهيار النفسي مسؤولية جماعية تفرض علينا جميعاً الإنصات لهمومهم، وفهم معاناتهم، والعمل على بناء مجتمع يمنحهم أسباب الأمل بدل تكريس مشاعر الإحباط واليأس.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى