كتاب الراي

بين غضب الشارع وتناقض المواقف: هل أصبح مستقبل الوطن رهيناً بالمنفعة الآنية؟

بين غضب الشارع وتناقض المواقف: هل أصبح مستقبل الوطن رهيناً بالمنفعة الآنية؟

Spread the love

حين يصبح الغضب الشعبي شيئاً، والسلوك الانتخابي شيئاً آخر… من يتحمل مسؤولية المستقبل؟
بين غضب الشارع وتناقض المواقف: هل أصبح مستقبل الوطن رهيناً بالمنفعة الآنية؟
أنوار حسن
الأمين العام للشبكة الوطنية لحقوق الإنسان ومدير جريدة صوت الاطلس
الهاتف 0661548867

pep0800-m .7xZ. 8

من موقعنا الحقوقي، لا يمكن أن نقرأ الواقع المغربي بعين واحدة، ولا أن نختزل كل ما يقع في عبارة «الحكومة فشلت» أو «الشعب غاضب». الواقع أكثر تعقيداً، والمؤلم فيه أن هناك فجوة تتسع بين انتظارات المواطن، والخطاب السياسي، والممارسة على أرض الواقع.
المواطن المغربي يسمع يومياً عن البطالة، وعن شباب يحملون شهادات عليا ولا يجدون فرصة، وعن متقاعدين يواجهون ارتفاع تكاليف المعيشة، وعن أطباء وباحثين ودكاترة معطلين، وعن ملفات مهنية واجتماعية متراكمة، وعن شباب يغامرون بحياتهم في البحر بحثاً عن مستقبل لم يجدوه داخل وطنهم.
وتظل ملفات سبتة ومليلية والهجرة، وتضارب المصالح، والعدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص، والحق في التعبير والتظاهر السلمي، وغيرها من القضايا، حاضرة بقوة في النقاش العمومي.
وفي المقابل، نشاهد أحياناً مشهداً يطرح سؤالاً أكبر من مجرد خلاف سياسي: المواطن الذي يشتكي في الشارع من الغلاء والسياسات الحكومية، هو نفسه الذي قد يستقبل المسؤول السياسي بالورود والزغاريد والعناق والتصفيق عندما يحضر إلى منطقته.
فأين تكمن الحقيقة؟
هل نحن أمام قناعة سياسية متغيرة؟
أم أمام مجاملة اجتماعية؟
أم أمام خوف من المستقبل؟
أم أمام ارتباط بعض المواطنين بالمصلحة الآنية؟
أم أن جزءاً من المجتمع أصبح يفكر بمنطق: «أعطني ما أحتاجه اليوم، وغداً لكل حادث حديث»؟
هذه الأسئلة ليست اتهاماً للشعب، وإنما هي دعوة إلى قراءة عميقة للسلوك السياسي والاجتماعي للمواطن المغربي.
فالانتخابات ليست مناسبة لتوزيع القفة أو تقديم مساعدات ظرفية أو استمالة المواطن بمبلغ مالي محدود، ثم نطالبه بعد ذلك بالصمت أمام خمس سنوات من الانتظارات.
المواطن لا ينبغي أن يبيع مستقبله بثمن لحظي.
وإذا كان المواطن مسؤولاً عن اختياراته داخل صناديق الاقتراع، فإن المسؤولية الأكبر تقع على الأحزاب والمنتخبين وأصحاب القرار، لأن السلطة ليست امتيازاً شخصياً، وإنما تكليف لخدمة المواطن وحماية حقوقه وتحقيق المساواة وتكافؤ الفرص.
ومن موقعنا الحقوقي، نشعر بالأسى عندما تتحول بعض الملفات الحقوقية والاجتماعية إلى جدران مغلقة، وعندما يجد المواطن أو الجمعية الحقوقية صعوبة في إيصال شكايته إلى المسؤول المختص، أو عندما يصبح الدفاع عن المال العام والمصلحة العامة سبباً في مواجهة ضغوط أو تضييقات.
وهنا يجب أن نكون واضحين:
العمل الحقوقي ليس خصومة مع الدولة، وليس معارضة للنظام، وليس بحثاً عن الفوضى.
بل إن الجمعية الحقوقية الجادة هي عين المواطن، وصوت المظلوم، وشريك في محاربة الفساد، ومساند للمؤسسات عندما تقوم بواجبها، ومنبه لها عندما ترى اختلالاً يحتاج إلى التصحيح.
كما أن الحق في الاحتجاج السلمي والتعبير الحر لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره تهديداً، ما دام يمارس في إطار القانون واحترام حقوق الآخرين. فالمجتمع الذي يسمع أصوات مواطنيه يستطيع معالجة أزماته قبل أن تتحول إلى احتقان.
أما ما نشاهده على بعض منصات التواصل الاجتماعي من مظاهر تتعلق بالاستغلال الجنسي، أو محتويات تمس بالقيم والكرامة الإنسانية، فالمعالجة لا تكون بالتشهير بالأشخاص أو مطاردة الأفراد، وإنما بتطبيق القانون، وحماية القاصرين، ومواجهة شبكات الاستغلال، وتعزيز التربية الرقمية، وتحمل المنصات والجهات المختصة لمسؤولياتها.
وفي المجال الديني أيضاً، فإن احترام المرجعية الرسمية وتنظيم الخطاب الديني لا يعني إلغاء النقاش، وإنما يقتضي احترام القواعد المنظمة للمساجد والخطاب الديني، ومعالجة أي تجاوز وفق القانون، دون تحويل المنبر الديني إلى مجال للصراع السياسي أو الاجتماعي.
المغرب أكبر من حكومة، وأكبر من حزب، وأكبر من مسؤول، وأكبر من انتخابات.
المغرب وطن له مؤسسات، وشعب له حقوق، ودولة لها مسؤوليات.
ومن هنا فإن السؤال الحقيقي ليس:
هل أخنوش محبوب أم مكروه؟
السؤال الحقيقي هو:
هل المواطن المغربي يعيش العدالة الاجتماعية التي يستحقها؟
هل الشاب يجد فرصة؟
هل صاحب الشهادة يجد مكانه؟
هل المتقاعد يعيش بكرامة؟
هل المحتج السلمي يجد آذاناً صاغية؟
هل الجمعيات الحقوقية تستطيع القيام بدورها دون عراقيل؟
هل المال العام محمي فعلاً؟
هل تكافؤ الفرص حقيقة أم مجرد شعار؟
هل المسؤول العمومي يشعر بأن المنصب مسؤولية وليس امتيازاً؟
هذه هي الأسئلة التي يجب أن تشغل الرأي العام.
أما المواطن الذي يرفع صوته اليوم ضد الوضع، ثم ينسى كل شيء غداً مقابل قفة أو مبلغ مالي أو وعد انتخابي، فإنه لا يعاقب المسؤول فقط، وإنما قد يعاقب مستقبل أبنائه أيضاً.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب الديمقراطية ليس اختلاف المواطنين، وإنما أن يفقد المواطن قدرته على التمييز بين المصلحة الآنية والمصلحة الوطنية طويلة المدى.
ولهذا نقولها بوضوح:
الصوت الانتخابي أمانة، وليس سلعة.
اختيار الرجل المناسب للمكان المناسب ليس شعاراً، وإنما مسؤولية وطنية.
والدولة القوية ليست التي لا تسمع الانتقاد، بل التي تستطيع أن تسمعه دون خوف، وتجيب عنه بالحجة، وتعالج الاختلالات بالقانون، وتحاسب من ثبت تقصيره أو فساده مهما كان موقعه.
ومن موقعنا كشبكة حقوقية مستقلة، سنظل نؤمن بأن الوطن فوق الأشخاص، والمؤسسات فوق المصالح، والقانون فوق الجميع، وكرامة المواطن ليست قابلة للمساومة.
قد يصيبنا الإحباط أحياناً، وقد نشعر بأن صوت الحقوقي يضيع وسط ضجيج المصالح، لكننا نؤمن أن لكل أزمة درساً، ولكل محنة عبرة، ولكل ظلم نهاية.
اللهم لك الحمد في السراء والضراء، ولكل مصيبة حكمة، ولكل مرحلة عبرة.
ويبقى مستقبل المغرب في يد المغاربة جميعاً:
وعيٌ في الاختيار، ومسؤولية في المحاسبة، وحرية في التعبير، واحترام للقانون، ورفض لتحويل المواطن إلى مجرد رقم انتخابي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى