مسرحية هزلية داخل مجلس جماعة بني ملال.. حين يتحول النقاش إلى ضحك على ذقون الساكنة
بقلمي / حليمة صومعي /
جريدة صوت الاطلس
ما حدث اليوم داخل مجلس جماعة بني ملال لم يعد يحتاج إلى كثير من التعليق، لأن المشهد في حد ذاته أصبح أقرب إلى مسرحية هزلية مفتوحة الفصول، عنوانها: «ليس في القنافذ أملس». أصوات ترتفع، وعضلات سياسية تُستعرض، واتهامات تتقاذفها الألسن، وكأننا أمام حلبة للمصارعة، لا داخل مؤسسة يفترض أن تكون مهمتها الأولى خدمة مدينة أنهكها التدبير المتعاقب والوعود المتكررة. السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، وبكل وضوح: هل ما نراه غيرة حقيقية على بني ملال، أم مجرد محاولة للضحك على ذقون الساكنة، خصوصاً ونحن على أبواب الاستحقاقات الانتخابية؟ أين كان كل هذا الصوت من قبل؟ وأين كانت هذه الجرأة عندما كانت المدينة تحتاج إلى مواقف حقيقية، وقرارات مسؤولة، ومبادرات تعيد إليها بريقها؟ لماذا لا تظهر هذه “العضلات” السياسية إلا عندما تقترب ساعة الانتخابات؟ بني ملال ليست حلبة لتصفية الحسابات، وليست منصة لاستعراض القوة، والساكنة ليست جمهوراً ينتظر نهاية المباراة ليصفق للفائز. المدينة تحتاج إلى من يشتغل، لا من يصرخ؛ إلى من يقدم الحلول، لا من يوزع الاتهامات؛ وإلى من يتحمل مسؤوليته، لا من يتنصل منها عندما تصبح الحصيلة ثقيلة. والأكثر إيلاماً أن الجميع تقريباً يتحمل نصيباً من المسؤولية عن واقع المدينة، كل من موقعه، سواء داخل المجالس أو المؤسسات أو مواقع القرار. لذلك، فإن تحويل جلسات المجلس إلى سجالات وصراخ لا يمحو الماضي، ولا يعفي أحداً من سؤال بسيط: ماذا قدمتم فعلاً لبني ملال؟ أما عمال النظافة، فهؤلاء يستحقون حديثاً مختلفاً تماماً. هؤلاء الرجال والنساء يخرجون كل يوم إلى الشوارع، في الحر والبرد، وسط الأوساخ والروائح الكريهة، ويواصلون عملهم رغم الإرهاق والمخاطر الصحية، بينما يجلس آخرون في القاعات المكيفة، يتبادلون الاتهامات والخطب، وكأن معاناة المدينة مجرد مادة للاستهلاك السياسي. من حق عمال النظافة أن يُسمع صوتهم، ومن حق الساكنة أن تعيش في مدينة نظيفة، ومن حق بني ملال أن تجد منتخبين يتنافسون في الإنجاز لا في رفع الأصوات. لقد سئمت الساكنة من المشاهد نفسها: خطابات قوية، واتهامات متبادلة، ثم لا شيء يتغير على أرض الواقع. وإذا كان البعض يريد أن يقدم نفسه اليوم في صورة “المدافع الشرس” عن المدينة، فعليه أولاً أن يجيب المواطنين عن حصيلته، وعن سنوات تدبيره، وعن الفرص التي ضاعت، وعن المشاريع التي لم تر النور، وعن واقع المدينة الذي يتحدث عن نفسه في الشوارع والأحياء. فالانتخابات ليست ممحاة تمسح الذاكرة، والساكنة لم تعد تصدق كل ما يقال فوق المنصات أو داخل قاعات المجالس. بني ملال لا تحتاج إلى حلبة مصارعة سياسية، بل إلى رجال ونساء يملكون الشجاعة للاعتراف بالأخطاء، والقدرة على تصحيحها، والإرادة لبناء مدينة تليق بسكانها. أما رفع الأصوات، واستعراض العضلات، وتبادل الاتهامات مع اقتراب الانتخابات، فلن يغير شيئاً من الحقيقة. والحقيقة بسيطة جداً: المدينة لا تُبنى بالصراخ… ولا تُنظف بالخطب… ولا تُدار باستعراض العضلات. ومن لم يستطع أن يقدم شيئاً لبني ملال وهو في موقع المسؤولية، فالأجدر به اليوم أن يترك للساكنة حقها في الحكم، وأن يدرك أن ذاكرة المدن أطول من ذاكرة الانتخابات.