أزمة العدالة لا تُحلّ بإضعاف حق الدفاع بقلم: أمينة امبروك مراسلة متعاونة مع جريدة صوت الأطلس – الرباط
في الوقت الذي تعرف فيه الساحة القضائية نقاشاً متصاعداً بسبب تداعيات مقاطعة المحامين للجلسات، وما نتج عنها من تأخر في عدد من القضايا، تبرز إلى الواجهة قضية تتجاوز حدود الخلاف المهني، لتلامس جوهر دولة القانون وضمانات المحاكمة العادلة. فالمشكل اليوم لا يتعلق فقط بتراكم الملفات أو ارتفاع عدد المعتقلين أو طول أمد المحاكمات، وإنما بالسؤال الذي يفرض نفسه بقوة: كيف يمكن ضمان السير العادي للمرفق القضائي دون أن يتحول ذلك إلى مبرر للمساس بحقوق الدفاع؟ إن معالجة الاختلالات التي يعرفها القضاء مسؤولية جماعية، ولا يمكن اختزالها في البحث عن حلول إجرائية سريعة قد تكون لها انعكاسات على حقوق المتقاضين. فالمحاكمة العادلة ليست ترفاً قانونياً، ولا امتيازاً يمنح في الظروف العادية ويسحب في الظروف الاستثنائية، بل هي ضمانة أساسية يجب أن تظل قائمة في جميع الأحوال. ومن هذا المنطلق، فإن أي إجراء يرمي إلى تجاوز حضور الدفاع أو الحد من دوره في القضايا التي تتطلب المؤازرة القانونية، يستوجب نقاشاً قانونياً وحقوقياً عميقاً، لأن القضية في نهاية المطاف تتعلق بإنسان قد تكون حريته ومستقبله وسمعته على المحك. لا يمكن للعدالة أن تنتصر إذا كان المواطن يشعر أن حقه في الدفاع أصبح رهيناً بأزمة ظرفية. وفي المقابل، لا يمكن تجاهل أن استمرار مقاطعة الجلسات ينعكس بشكل مباشر على المتقاضين، وخاصة المعتقلين وأسرهم، ويؤدي إلى تأجيل البت في الملفات وتعميق حالة الانتظار. ولذلك فإن استمرار الوضع الحالي ليس في مصلحة أي طرف، لا القضاء ولا المحامين ولا المتقاضين ولا المجتمع. وهنا تبرز مسؤولية جميع المؤسسات والهيئات المعنية في الجلوس إلى طاولة الحوار، بعيداً عن منطق شد الحبل، لأن المواطن هو الذي يدفع في النهاية ثمن أي انسداد في العلاقة بين مختلف مكونات منظومة العدالة. إن وزارة العدل، ورئاسة النيابة العامة، والسلطة القضائية، وهيئات المحامين، ومختلف المتدخلين مطالبون اليوم بإعطاء الأولوية للحوار المسؤول، والبحث عن حلول عملية وقانونية تضمن استمرار الجلسات، وتحمي في الوقت نفسه استقلال القضاء وحقوق الدفاع. كما أن احترام الاختصاصات واستقلال الهيئات القضائية يظل أمراً أساسياً، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بقضايا معروضة أمام المحاكم. فالثقة في القضاء لا تُبنى فقط بالأحكام، وإنما أيضاً بضمان استقلال القرار القضائي وعدم التأثير على مساره بأي شكل من الأشكال. ومن منظور حقوقي، فإن الخروج من الأزمة ينبغي أن يكون فرصة لتقوية منظومة العدالة، وليس مناسبة لخلق سوابق قد يصبح اللجوء إليها مستقبلاً أمراً عادياً كلما ظهرت أزمة أو تعطلت المرافق. القانون يجب أن يكون هو المظلة التي تحمي الجميع، وليس الأداة التي يتم البحث داخلها عن استثناءات ظرفية. إن دولة المؤسسات تقاس بقدرتها على تدبير الأزمات مع الحفاظ على الحقوق والحريات، وليس فقط بقدرتها على إنهاء الأزمات بأي وسيلة. ولهذا فإن الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى جميع الأطراف واضحة: نعم لاستمرارية المرفق القضائي، نعم لتسريع البت في الملفات، نعم للحوار المسؤول، لكن لا للمساس بجوهر حق الدفاع، ولا لتحويل الأزمة الظرفية إلى مدخل لتقليص ضمانات المحاكمة العادلة. فالقضاء القوي ليس هو الذي ينهي الملفات بسرعة فقط، وإنما هو الذي يمنح المواطن الثقة بأن ملفه عولج في إطار القانون، وأن حقوقه كانت مصانة، وأن الدفاع عنه ظل حقاً أصيلاً لا يمكن تجاوزه تحت أي مبرر.