كتاب الراي

الأراضي السلالية في المغرب بين حق الانتفاع والتمليك والتفويت: دليل المواطن لمعرفة حقوقه وواجباته وتفادي الأخطاء القانونية

الأراضي السلالية في المغرب بين حق الانتفاع والتمليك والتفويت: دليل المواطن لمعرفة حقوقه وواجباته وتفادي الأخطاء القانونية

Spread the love

الأراضي السلالية في المغرب.. بين حق الانتفاع ومطلب التمليك وحدود التفويت: ماذا يجب أن يعرف المواطن قبل أن يوقّع أو يحتج؟
بقلم الأستاذة سعاد أيت صالح
أمريرت – إقليم خنيفرة
مراسلة متعاونة مع جريدة صوت الأطلس

في مختلف ربوع المملكة، من الشمال إلى الجنوب، ما زال ملف الأراضي السلالية يشكل واحداً من الملفات التي تستأثر باهتمام المواطنين، خصوصاً أولئك الذين ارتبطت حياتهم وأسرهم وأجدادهم بهذه الأراضي، سواء من خلال الانتفاع الفلاحي أو الرعي أو الاستغلال أو غير ذلك من أوجه الانتفاع.
ومع تنامي الاحتجاجات والمطالب الداعية إلى تسريع تمليك الأراضي السلالية، تبرز حاجة ملحة إلى شيء أساسي قبل كل شيء: المعلومة القانونية الصحيحة.
فالمواطن الذي لا يعرف الفرق بين الانتفاع والملكية والتفويت والكراء والتمليك ونزع الملكية قد يجد نفسه أمام وضعية قانونية لم يكن يتوقعها، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بوثيقة يطلب منه توقيعها أو إجراء يقال له إنه مجرد إجراء إداري بسيط.
ومن هنا، فإن هذا المقال لا يأتي للدفاع عن طرف ضد طرف، ولا لتوجيه اتهام إلى أي جهة، وإنما لطرح مجموعة من الأسئلة التي تهم كل ذي حق سلالي، مع الرجوع إلى الإطار القانوني المنظم لهذه الأراضي.
الأرض السلالية ليست ملكية خاصة عادية
أول قاعدة ينبغي أن يعرفها كل مواطن هي أن العقار السلالي يخضع لنظام قانوني خاص.
فالقانون رقم 62.17 المتعلق بالوصاية الإدارية على الجماعات السلالية وتدبير أملاكها وضع قواعد خاصة لهذه الأراضي.
وتنص المادة 15 على أن أملاك الجماعات السلالية لا تكتسب بالحيازة أو بالتقادم ولا تكون محلاً للحجز، كما تخضع التصرفات التي تهمها للشروط والمساطر التي حددها القانون.
وهذا يعني أن مجرد استغلال شخص لأرض سلالية لمدة طويلة لا يجعله مالكاً لها تلقائياً.
وبالمقابل، فإن كون الأرض سلالية لا يعني أن كل عملية تتعلق بها ممنوعة أو باطلة.
وهنا يجب أن يتوقف المواطن جيداً عند هذه النقطة.
القانون لا يُفهم بالشعارات، وإنما بالتمييز بين كل عملية ومساطرها الخاصة.
الانتفاع شيء والملكية شيء آخر
من أكثر المفاهيم التي تحتاج إلى توضيح هو الفرق بين الشخص الذي ينتفع من أرض سلالية وبين الشخص الذي أصبحت له ملكية خاصة ثابتة قانوناً.
فالانتفاع المقرر لفائدة عضو من أعضاء الجماعة السلالية لا يعني بالضرورة امتلاكه لرقبة العقار.
وتنظم المادة 16 حق الانتفاع وتوزيعه بين أعضاء الجماعة السلالية، ذكوراً وإناثاً، كما تحدد طبيعة هذا الحق وحدود التصرف فيه.
ولهذا ينبغي للمستفيد أن يسأل قبل أي تصرف:
هل أنا مستفيد من حق انتفاع؟ أم أن العقار أصبح ملكية خاصة لي بموجب مسطرة قانونية مكتملة؟
الجواب عن هذا السؤال قد يغير بشكل كامل طبيعة أي عملية بيع أو تنازل أو استثمار.
هل يستطيع السلالي بيع الأرض لشخص من خارج الجماعة؟
هنا أيضاً يجب الابتعاد عن الإجابات المختصرة.
إذا كان الأمر يتعلق بمجرد حق الانتفاع السلالي، فلا يجوز للمستفيد أن يتعامل معه كما يتعامل المالك الخاص مع عقاره، لأن القانون وضع لهذا الحق طبيعة خاصة.
أما إذا تعلق الأمر بـ تفويت عقار سلالي لإنجاز مشروع استثماري، فالقانون والمرسوم التطبيقي وضعا مساطر خاصة لذلك.
وقد تشمل هذه المساطر الإشهار وطلبات العروض ودفتر التحملات واللجان المختصة، بحسب طبيعة العملية، وصولاً إلى الجهات المخولة قانوناً باتخاذ القرار.
إذن:
ليس كل شخص غير سلالي ممنوعاً قانوناً من الاستفادة من عقار سلالي في إطار عملية استثمارية قانونية، كما أن السلالي نفسه لا يملك حرية بيع حق الانتفاع الخاص به لمن يشاء.
والفارق بين الأمرين أساسي.
الخطورة تبدأ عندما تصبح الوثيقة أهم من مضمونها
هناك سؤال ينبغي أن يطرحه كل مواطن على نفسه قبل وضع توقيعه:
ماذا أوقّع بالضبط؟
هل هي لائحة إحصاء؟
هل هي وثيقة مرتبطة بالانتفاع؟
هل هي محضر اجتماع؟
هل هي موافقة على مشروع؟
هل هي عقد كراء؟
هل هي وثيقة مرتبطة بالتمليك؟
هل هي وثيقة تفويت؟
هل تتضمن التزامات مستقبلية؟
لا ينبغي للمواطن أن يكتفي بالقول:
“قالوا لي إنها مجرد ورقة.”
فالوثيقة لا تُعرف من اسمها المتداول بين الناس، وإنما من مضمونها والآثار القانونية المترتبة عنها.
ومن حق المواطن أن يفهم الوثيقة التي سيوقعها، وأن يطلب نسخة منها، وأن يستشير مختصاً إذا كانت آثارها غير واضحة بالنسبة إليه.
لا للنصب على المواطن.. ولا للاتهام دون دليل
في المقابل، ينبغي أن تكون معالجة ملف الأراضي السلالية بعيدة عن التخويف والإشاعات.
فليس كل توقيع مخالفاً للقانون، وليس كل مشروع استثماري محاولة للاستيلاء على الأرض، وليس كل اختلاف بين السلاليين والسلطات دليلاً على وجود تجاوز.
لكن عندما تكون هناك وثيقة أو واقعة أو مسطرة يعتقد المواطن أنها لم تحترم القانون، فإن الطريق الصحيح هو:
الوثيقة أولاً، ثم التحقق، ثم الاعتراض أو الشكاية أمام الجهة المختصة.
أما توجيه اتهامات شخصية دون أدلة، فلا يخدم حقوق المواطنين، بل قد يحول قضية قانونية مشروعة إلى نزاع شخصي.
المرأة السلالية.. حق قانوني لا ينبغي أن يبقى مجهولاً
ومن أهم التحولات التي يجب أن يعرفها المواطن المغربي، خصوصاً النساء داخل الجماعات السلالية، أن القانون رقم 62.17 نص صراحة على استفادة أعضاء الجماعات السلالية ذكوراً وإناثاً من حق الانتفاع وفق الشروط القانونية.
كما أن مقتضيات التمليك الواردة في المادة 17 تشمل أعضاء الجماعات السلالية ذكوراً وإناثاً.
وهذه ليست مسألة إعلامية أو شعاراً، وإنما مقتضى قانوني ينبغي أن تكون المرأة السلالية على علم به.
فالمرأة التي تتوفر فيها الشروط القانونية لا ينبغي أن تعتبر نفسها خارج منظومة الحقوق السلالية لمجرد كونها امرأة.
ومن هنا تبرز مسؤولية الإدارة والنواب والمجتمع المدني والإعلام في إيصال المعلومة القانونية إلى النساء السلاليات، حتى لا يبقى الحق معروفاً على الورق ومجهولاً في الواقع.
وماذا عن مطلب التمليك؟
مطالبة المواطنين بالتمليك أصبحت حاضرة بقوة في عدد من المناطق.
ومن حق المواطنين أن يطالبوا بتوضيح وضعية أراضيهم، وأن يطرحوا مطالبهم بالطرق القانونية، وأن يسألوا عن أسباب التأخر في بعض المساطر.
لكن ينبغي أيضاً فهم أن القانون لا ينص على تحويل جميع الأراضي السلالية تلقائياً إلى ملكيات خاصة بمجرد المطالبة بذلك.
فالتمليك له شروط ومساطر، ويختلف باختلاف طبيعة العقار ووضعية المستفيد والعملية المقترحة.
وقد نظم القانون والمرسوم التطبيقي بعض عمليات تمليك الأراضي الفلاحية لفائدة أعضاء الجماعات السلالية، ذكوراً وإناثاً، وفق شروط محددة.
وبالتالي فإن السؤال الصحيح ليس فقط:
“لماذا لم يتم تمليك الأرض؟”
بل يجب أن يضاف إليه:
“هل تتوفر هذه الأرض وهذه العملية وهذا المستفيد على الشروط القانونية للتمليك؟ وأين وصلت المسطرة؟ وما هي الجهة التي تملك صلاحية اتخاذ القرار؟”
الاحتجاج وحده لا يغير طبيعة الأرض القانونية
الاحتجاج وسيلة للتعبير عن المطالب، لكن طبيعة العقار لا تتغير بمجرد الاحتجاج.
وفي الوقت نفسه، لا ينبغي أن يتحول القانون إلى ذريعة لإغلاق باب الحوار أمام المواطنين.
المطلوب هو أن تشرح الإدارة للمواطنين:
الوضعية القانونية للأرض؛
طبيعة الحق الذي يستفيدون منه؛
شروط التمليك؛
مراحل المسطرة؛
الجهة المختصة؛
أسباب أي تأخير؛
والآفاق القانونية الممكنة أمام ذوي الحقوق.
فالمواطن عندما يفهم القانون يصبح شريكاً في الحل، وليس مجرد طرف ينتظر المعلومة.
التفويت للخواص.. أين تبدأ المشروعية وأين تنتهي؟
من أكثر النقاط حساسية في ملف الأراضي السلالية مسألة التفويت لفائدة المستثمرين أو الأشخاص من خارج الجماعة.
والجواب القانوني يحتاج إلى دقة.
فالقانون يسمح، في الحالات التي حددها، بتعبئة عقارات الجماعات السلالية لإنجاز مشاريع استثمارية، بما فيها مشاريع لفائدة فاعلين خواص، لكن العملية لا ينبغي أن تختزل في اتفاق شخصي بين مستفيد ومستثمر.
المرسوم التطبيقي يحدد مساطر للتفويت والاستثمار، من بينها حالات تخضع لطلبات عروض ودفتر تحملات وإجراءات للإشهار ودراسة من الجهات المختصة.
لذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرح عند وجود مشروع هو:
ما هي المسطرة التي اعتمدت؟
وليس فقط:
من هو المستثمر؟
فإذا كانت المسطرة قانونية، فإن الاستثمار له إطاره.
أما إذا كان هناك ادعاء بوجود مخالفة، فينبغي أن تقدم الوثائق والمعطيات إلى الجهات المختصة حتى يتم التحقق منها.
وماذا عن نزع الملكية؟
نزع الملكية مسطرة مختلفة عن التفويت الاستثماري.
وتنص المادة 15 من القانون 62.17 على إمكانية نزع ملكية عقارات الجماعات السلالية من أجل المنفعة العامة طبقاً للتشريع الجاري به العمل.
وهنا لا ينبغي للمواطن أن يخلط بين نزع الملكية وتفويت عقار لإنجاز مشروع استثماري وتمليك عضو سلالي لحصته وفق القانون.
كل عملية لها نظامها القانوني.
ولهذا فإن إطلاق حكم عام على كل مشروع أو كل عملية دون معرفة طبيعتها القانونية قد يؤدي إلى نشر معلومة غير دقيقة.
ما الذي ينبغي على المواطن السلالي فعله عملياً؟
جريدة صوت الأطلس ترى أن أفضل حماية للمواطن هي أن يعرف حقوقه قبل أن يدخل في النزاع.
ولهذا يمكن لكل ذي حق أن يجعل من هذه القواعد البسيطة منهجاً عملياً:
1 ـ لا توقّع على وثيقة لا تفهم مضمونها.
2 ـ اطلب نسخة من كل وثيقة تحمل توقيعك أو تتعلق بحقك.
3 ـ تأكد من وضعيتك داخل لائحة أعضاء الجماعة السلالية.
4 ـ ميّز بين الانتفاع والملكية الخاصة.
5 ـ لا تتعامل مع حق الانتفاع كما لو كان عقاراً خاصاً قابلاً للبيع لمن تشاء.
6 ـ إذا عرض عليك شخص شراء حقك، فاطلب استشارة قانونية قبل أي توقيع أو تسلم للأموال.
7 ـ إذا تعلق الأمر بمشروع استثماري، اسأل عن المسطرة القانونية التي تم اعتمادها.
8 ـ إذا كنت امرأة سلالية، فتعرفي على حقوقك القانونية ولا تفترضي أن الاستفادة مقتصرة على الرجال.
9 ـ إذا صدر مقرر يتعلق بحقوقك، انتبه إلى آجال الطعن ولا تؤجل الاستشارة القانونية.
10 ـ عند وجود شبهة مخالفة، اجمع الوثائق والمعطيات وقدّمها إلى الجهة المختصة بدل إطلاق اتهامات غير موثقة.
رسالة إلى جميع المتدخلين
إن ملف الأراضي السلالية أكبر من أن يكون مجرد خلاف بين مواطن وسلطة أو بين سلاليين ونوابهم.
إنه ملف يرتبط بالملكية الجماعية، والانتفاع، والاستثمار، والتنمية، والعدالة، وحقوق النساء والرجال، ومستقبل مناطق بكاملها.
ومن حق المواطن أن يحصل على المعلومة.
ومن واجب الجهات المسؤولة أن تقدمها وفق القانون.
ومن واجب ذوي الحقوق أيضاً أن يعرفوا أن الحق يقابله واجب، وأن المحافظة على الملك الجماعي مسؤولية مشتركة.
كما أن الاستثمار المشروع لا ينبغي أن يُنظر إليه تلقائياً باعتباره اعتداءً على الأراضي السلالية، وفي المقابل فإن أي عملية يفترض المواطن أنها تمت خارج القانون ينبغي أن تخضع للتحقق والرقابة وفق المساطر القانونية.
القانون 62.17 ليس مجرد رقم يُذكر في الاحتجاجات أو المنشورات، وإنما منظومة قانونية يجب أن يعرف المواطن مقتضياتها قبل أن يوقع، وقبل أن يبيع، وقبل أن يتنازل، وقبل أن يحتج.
والقاعدة التي ينبغي أن تصل إلى كل بيت توجد فيه أرض سلالية هي:
اعرف حقك، افهم وثيقتك، تحقق من المسطرة، ولا تتنازل عن حقك إلا وفق القانون.
فالأرض السلالية ليست مجالاً للفوضى، وليست أيضاً مجالاً للتأويلات الشخصية.
القانون فوق الجميع، والوثيقة فوق الإشاعة، والجهة المختصة وحدها هي التي تفصل في النزاع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى