منصة المسطرة الغيابية بالمغرب تفتح نقاشا قانونيا حول حدود الرقمنة واختصاصات العدالة. الأستادة خديجة لمرابط
– مراسلة متعاونة من الدار البيضاء
الرقمنة القضائية في المغرب تثير أسئلة قانونية حول نشر معطيات المحكوم عليهم غيابياً يشهد قطاع العدالة بالمغرب خلال السنوات الأخيرة دينامية متسارعة في اتجاه الرقمنة، في إطار مساعي تحديث المرفق القضائي وتبسيط الولوج إلى خدماته لفائدة المواطنين. وفي هذا السياق، أطلقت وزارة العدل منصة رقمية جديدة عبر بوابة “محاكم” مخصصة للمسطرة الغيابية، تتضمن معطيات حول أشخاص متابعين أو محكوم عليهم في حالة غياب، ويصل عددهم – وفق المعطيات المتداولة – إلى أكثر من 600 شخص. وتعرض هذه المنصة الإلكترونية تفاصيل دقيقة عن المعنيين بالأمر، من بينها المحكمة التي أصدرت الحكم، رقم الملف، الاسم الكامل وأسماء الوالدين، رقم البطاقة الوطنية، آخر عنوان معروف، إضافة إلى طبيعة الأفعال المنسوبة إليهم، والتي تتنوع بين جرائم مالية وجنائية مثل اختلاس المال العام والتزوير والسرقة الموصوفة وتكوين عصابة إجرامية، إلى جانب جرائم أخرى خطيرة. غير أن هذه الخطوة، التي قُدمت في إطار تعزيز الشفافية وتسريع إجراءات التبليغ وتنفيذ الأحكام، فتحت في المقابل نقاشاً قانونياً ودستورياً واسعاً حول الجهة المخول لها قانوناً نشر هذه المعطيات وتدبيرها، وما إذا كان الأمر يدخل في نطاق اختصاص السلطة القضائية أم في إطار مبادرة إدارية ذات طابع تقني. المسطرة الغيابية بين مقتضيات القانون ودور النيابة العامة تندرج المسطرة الغيابية ضمن آليات قانون المسطرة الجنائية التي يعتمدها القضاء عندما يتعذر حضور المتهم أمام المحكمة رغم استدعائه وفق الإجراءات القانونية المعمول بها. وتهدف هذه الآلية إلى تحقيق نوع من التوازن بين مصلحة المجتمع في استمرار سير العدالة وعدم تعطيلها، وحق المتهم في محاكمة عادلة وحضوره لمراحل محاكمته. وقد أحاط المشرع المغربي هذه المسطرة بجملة من الضمانات، من بينها إمكانية إعادة المحاكمة إذا ما حضر الشخص المحكوم عليه غيابياً أو تم إيقافه. كما أن تتبع تنفيذ الأحكام الجنائية، بما فيها الأحكام الغيابية، يبقى من صميم اختصاصات النيابة العامة التي يعهد إليها القانون بتحريك الدعوى العمومية والسهر على تطبيق القانون وتنفيذ المقررات القضائية. وفي هذا الإطار، تتولى أجهزة الشرطة القضائية مهام البحث عن الأشخاص الصادرة في حقهم مذكرات بحث أو أحكام غيابية، وذلك تحت إشراف النيابة العامة، وفق ما تنص عليه مقتضيات قانون المسطرة الجنائية. استقلال النيابة العامة بعد الإصلاح المؤسساتي شهدت منظومة العدالة بالمغرب تحولاً مؤسساتياً مهماً بعد دخول القانون رقم 33.17 حيز التنفيذ، والذي نقل اختصاصات السلطة الحكومية المكلفة بالعدل في مجال النيابة العامة إلى الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض بصفته رئيساً للنيابة العامة. وبموجب هذا الإصلاح، أصبح تدبير الدعوى العمومية وتتبع تنفيذ الأحكام الجنائية اختصاصاً حصرياً للسلطة القضائية، وهو ما يطرح تساؤلات حول حدود تدخل السلطة التنفيذية في نشر أو تدبير المعطيات المرتبطة بمتابعين أو محكوم عليهم في إطار المسطرة الغيابية. ويذهب بعض المتتبعين إلى أن نشر مثل هذه المعطيات ينبغي أن يظل مرتبطاً بالمؤسسات القضائية المختصة، أو أن يتم في إطار تقني واضح يخدم عملها دون المساس باستقلالها. بين الشفافية وحماية المعطيات الشخصية تتضمن المنصة الرقمية معطيات شخصية حساسة، من بينها رقم البطاقة الوطنية والعنوان الشخصي وأسماء الوالدين، وهي معطيات تدخل ضمن نطاق الحماية القانونية التي ينظمها القانون رقم 09.08 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي. ويخول هذا القانون صلاحيات الرقابة والتتبع لـ اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، التي تسهر على ضمان احترام الضوابط القانونية المرتبطة بمعالجة هذه المعطيات. كما يثير نشر هذه المعلومات تساؤلات إضافية عندما يتعلق الأمر بأشخاص لا يزالون في مرحلة المتابعة القضائية، حيث يظل مبدأ قرينة البراءة، الذي يكفله الدستور، أحد أهم الضمانات الأساسية في مسار العدالة. رقمنة العدالة… خيار استراتيجي يحتاج إلى تأطير قانوني لا يختلف اثنان حول أهمية الرقمنة في تطوير الإدارة القضائية، لما توفره من سرعة في الإجراءات وتحسين في تدبير الملفات وتعزيز لمبدأ الشفافية. غير أن اعتماد التكنولوجيا في هذا المجال يظل رهيناً باحترام الضوابط القانونية والمؤسساتية التي ينص عليها الدستور والقوانين المنظمة للسلطات. وفي خضم الجدل الذي رافق إطلاق منصة المسطرة الغيابية، تبدو الحاجة قائمة إلى توضيحات رسمية بشأن طبيعة هذه المبادرة، والجهة المنتجة للمعطيات المعروضة، والإطار القانوني الذي يسمح بنشرها، إضافة إلى الضمانات المرتبطة بحماية المعطيات الشخصية واحترام قرينة البراءة. فإذا كانت المنصة مجرد وسيلة تقنية لعرض معطيات صادرة عن الجهات القضائية المختصة، فإنها تندرج في إطار تحديث الإدارة القضائية. أما إذا تجاوزت هذا الدور التقني، فقد تفتح الباب أمام نقاش أوسع حول حدود تداخل الاختصاصات بين السلط. وفي نهاية المطاف، فإن النقاش الذي أثارته هذه المنصة لا يرتبط فقط بإطلاق خدمة رقمية جديدة، بل يعكس سؤالاً أعمق حول كيفية تحقيق التوازن بين تحديث العدالة واحترام استقلال السلطة القضائية وضمان الحقوق والحريات في دولة القانون.