العالم الأزرق تحت المجهر الشبكة الوطنية لحقوق الإنسان .. حين يصبح الهاتف مرآةً للمجتمع المغربي افتتاحية ورأي أنوار حسن – الأمين العام للشبكة الوطنية لحقوق الإنسان ومدير جريدة صوت الاطلس الهاتف 0661548867
لم يعد الهاتف مجرد وسيلة للاتصال، ولم تعد مواقع التواصل الاجتماعي مجرد فضاء للتسلية؛ لقد أصبحنا أمام عالم موازٍ يعيش فيه الإنسان جزءًا كبيرًا من يومه، ويتأثر بما يراه ويسمعه ويقرأه، بل وقد يعيد بناء بعض قناعاته وسلوكاته على أساس ما تقدمه له الشاشة. ومن هنا، فإن الحديث عن العالم الأزرق لم يعد ترفًا فكريًا، وإنما أصبح ضرورة اجتماعية، خصوصًا ونحن نرى حجم الحضور اليومي لمواقع مثل فيسبوك ويوتيوب وغيرها في حياة المغاربة، نساءً ورجالًا وشبابًا وشابات، بل وحتى بعض الفئات المسنة التي أصبحت مرتبطة بشكل لافت بمحتويات رقمية مختلفة، بعضها مفيد وهادف، وبعضها الآخر لا يتجاوز الإثارة والتفاهة واستنزاف الوقت. وهنا لا بد من قول الحقيقة دون تجميل: المشكلة ليست في الهاتف، وإنما في الطريقة التي أصبح بعض الناس يستعملونه بها. فقد يتحول الهاتف من وسيلة للتعلم إلى وسيلة لإضاعة الساعات، ومن باب للرزق إلى باب للاستهلاك، ومن وسيلة للتواصل إلى سبب للعزلة، ومن مصدر للمعلومة إلى مصنع للإشاعة. والأخطر أن بعض المحتويات الرديئة استطاعت، بفضل عدد المشاهدات والتفاعل، أن تمنح نفسها صفة إعلامية في نظر الجمهور، بينما الإعلام الحقيقي مسؤولية ومهنية وأخلاق قبل أن يكون عددًا من المتابعين. نحن لا نقول إن كل ما هو رقمي سيئ، بل العكس تمامًا. العالم الأزرق يمكن أن يكون جامعة بلا أبواب. فيه من يتعلم اللغات، ومن يكتسب مهنة، ومن يطور مشروعًا، ومن يبيع منتوجه، ومن يكتسب مهارات في البرمجة والتصميم والرياضة والفنون، ومن يستفيد من الدروس والمحاضرات والتجارب الإنسانية. وقد أصبح بإمكان شاب يعيش في قرية أو مدينة صغيرة أن يصل إلى المعرفة التي كان يحتاج في السابق إلى السفر لمسافات طويلة من أجل الوصول إليها. وهذه من أجمل مزايا الثورة الرقمية. لكن الوجه الآخر لا يمكن تجاهله. هناك محتويات أصبحت تتاجر بالخصوصية، وتحوّل الحياة الأسرية إلى مادة للعرض، وتستعمل الإثارة لجذب المشاهدات، وتقدم بعض السلوكيات المنحرفة بصورة تجعلها تبدو عادية أو مقبولة. وهنا يجب أن نكون صريحين: عندما تصبح الخيانة الزوجية مادة للترفيه، أو تصبح الدعارة وسيلة لجلب المشاهدات، أو تتحول المخدرات والعنف والأسلحة البيضاء إلى أدوات للاستعراض، فإننا لا نتحدث فقط عن محتوى سيئ، بل عن تأثير اجتماعي يستحق النقاش والمسؤولية. ولا يعني هذا أننا نتهم كل صانع محتوى أو كل صفحة أو كل موقع، بل نطالب إلى وضع معيار واضح: هل ما نقدمه للمجتمع يبني الإنسان أم يهدمه؟ فليس كل شيء يصلح أن يكون قدوة، وليس كل شيء يستحق أن يكون مشهورًا. والأخطر من ذلك هو استغلال بعض المنصات الرقمية في نشر خطاب الكراهية والتحريض والتطرف، أو في صناعة الوهم لدى فئات تعاني البطالة والفقر والإحساس بالظلم. إن المواطن الذي يعيش ظروفًا اجتماعية صعبة قد يكون أكثر قابلية للتأثر بالخطاب الذي يقدم له حلولًا سهلة وشعارات سريعة، ولذلك فإن محاربة التطرف والتحريض لا تكون فقط بالمقاربة الأمنية، وإنما كذلك بالتعليم، والثقافة، والإعلام المسؤول، ومحاربة اليأس، وفتح أبواب الأمل والعمل أمام الشباب. وفي المقابل، علينا ألا نخلط بين النقد المشروع وبين التحريض على الدولة أو المجتمع. فمن حق المواطن أن ينتقد، ومن حقه أن يطالب بتحسين الخدمات والعدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد، لكن ممارسة الحق في التعبير يجب أن تبقى في إطار القانون والمسؤولية، بعيدًا عن العنف والكراهية ونشر الفتنة. وحين تصل الكلمة إلى المقدسات من بين أخطر مظاهر العالم الأزرق أن كلمة واحدة قد تنتشر في ساعات قليلة وتصل إلى ملايين الأشخاص. وهنا تبرز مسؤولية أكبر عندما يتعلق الأمر بالدين والمقدسات. إن الإساءة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليست مسألة عادية بالنسبة إلى المسلم، ولا يمكن التعامل معها وكأنها مجرد منشور عابر. وفي هذا الإطار، فإن موقفنا الحقوقي لا يقوم على التشهير أو إصدار الأحكام من منصات التواصل الاجتماعي، وإنما على الاحتكام إلى القانون والمؤسسات المختصة. إذا كان هناك تصريح أو محتوى يثير شبهة مخالفة قانونية، فإن الجهات القضائية المختصة هي صاحبة الاختصاص في البحث والتحقق وتحديد المسؤوليات. ونحن نؤمن بأن دولة المؤسسات تعني أن الجميع أمام القانون، وأن تطبيق القانون ينبغي أن يكون وفق معايير واضحة ومتساوية، بعيدًا عن الانتقائية أو ضغط الشارع الرقمي. كما نرى أن التواصل المؤسساتي المسؤول، عندما يكون ممكنًا قانونًا، يمكن أن يساهم في طمأنة الرأي العام وقطع الطريق أمام الإشاعات والتأويلات. الدفاع عن الدين والمقدسات لا يكون بالفوضى، وإنما بالحكمة والوعي واحترام القانون. السؤال الذي يجب أن يطرحه كل واحد منا ربما آن الأوان لأن نسأل أنفسنا سؤالًا بسيطًا لكنه عميق: هل نحن نستعمل العالم الأزرق، أم أن العالم الأزرق أصبح يستعملنا؟ كم ساعة نقضيها في مشاهدة ما لا ينفع؟ وكم دقيقة نخصصها للقراءة؟ كم مرة نفتح الهاتف بحثًا عن معلومة مفيدة، وكم مرة نفتحه فقط لأننا اعتدنا عليه؟ كم محتوى شاهدناه ونسيناه بعد دقائق؟ وكم محتوى غيّر طريقة تفكيرنا دون أن نشعر؟ هذه الأسئلة ليست موجهة إلى الشباب وحدهم. إنها موجهة إلى الأسرة المغربية كلها. فالأب والأم قد يكونان قدوة لأبنائهما حتى في طريقة استعمال الهاتف. إذا كان الطفل يرى والديه طوال الوقت أمام الشاشة، فلا يمكن أن نطالبه وحده بأن يبتعد عنها. العالم الأزرق ليس عدوًا نحن في الشبكة الوطنية لحقوق الإنسان لا نريد مجتمعًا يهرب من التكنولوجيا، ولا نريد محاربة وسائل التواصل. نريد فقط مجتمعًا واعيًا بما يشاهده. نريد شابًا يعرف أن مستقبله أكبر من عدد المشاهدات. نريد فتاة تعرف أن قيمتها الإنسانية لا تقاس بعدد الإعجابات. نريد أسرة تعرف أن الخصوصية ليست مادة للتجارة. نريد إعلامًا رقميًا يحترم عقل المواطن. نريد محتوى يجعل المغربي يخرج من هاتفه أكثر علمًا، وأكثر وعيًا، وأكثر قدرة على العمل، لا أكثر غضبًا وحقدًا وإحباطًا. فالهاتف يمكن أن يكون مفتاحًا للعلم والرزق، ويمكن أن يكون بابًا للضياع. والقرار في النهاية بيد الإنسان. كلمة أخيرة من زاوية حقوقية للشبكة الوطنية لحقوق الإنسان. إن حرية التعبير حق، والوصول إلى المعلومة حق، واستعمال التكنولوجيا حق، لكن الحقوق لا تنفصل عن المسؤولية. وفي الوقت نفسه، فإن حماية المجتمع لا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة للتضييق على التعبير المشروع. المعادلة الصحيحة هي: حرية مسؤولة، وقانون عادل، وإعلام مهني، وأسرة واعية، وشباب يمتلك القدرة على التفكير قبل الضغط على زر النشر. ونحن أمام جيل جديد لا يمكن عزله عن العالم الرقمي، ولذلك فإن المطلوب ليس إغلاق الباب أمامه، وإنما تعليمه كيف يفتح الباب الصحيح. وأعتقد أن أجمل ما يمكن أن نختم به هو أن السعادة الحقيقية لا توجد في عدد المتابعين، ولا في كثرة الإعجابات، ولا في الشهرة الافتراضية. راحة القلب أعمق من شاشة الهاتف. والإيمان بالله، والقناعة، والصبر، والعمل، وحسن اختيار ما نقرأ ونشاهد، واستعمال التكنولوجيا فيما ينفع الإنسان والمجتمع، تبقى من أقوى الوسائل التي تحفظ للإنسان توازنه وكرامته. العالم الأزرق جميل حين نستخدمه في الخير، وقبيح حين يسمح لنا بأن نفقد أنفسنا ونحن نبحث عن إعجاب الآخرين. وهذه ليست دعوة إلى مقاطعة العالم الأزرق، وإنما دعوة إلى امتلاك الوعي الذي يجعلنا نستخدمه دون أن نفقد قيمنا.