حين يصمت الخطاب الديني… من يرفع صوت الحق دفاعاً عن حرمة رسول الله (ص)؟ بقلم: أنوار حسن مدير نشر جريدة صوت الأطلس والأمين العام للشبكة الوطنية لحقوق الإنسان. انوار حسن الهاتف 0661548867
ليست كل القضايا قابلة لأن تُختزل في خلاف عابر، وليست كل التصريحات يمكن أن تمر أمام الرأي العام وكأنها مجرد وجهة نظر تحتمل النقاش والاختلاف. هناك قضايا ترتبط بعقيدة الناس، بوجدانهم، بمقدساتهم، وبالرموز الدينية التي تشكل جزءاً أصيلاً من هويتهم الروحية والحضارية. ومن هذا المنطلق، فإن ما أثير مؤخراً من كلام منسوب إلى المواطن المغربي المعروف إعلامياً باسم «الفايد»، والذي اعتبره عدد من المغاربة والمسلمين إساءة إلى مقام رسول الله محمد(ص)، يفرض علينا، كمنبر حقوقي للشبكة وإعلامي لجريدة صوت الاطلس ، أن نطرح أسئلة واضحة، ولكن دون قذف أو تشهير أو إصدار أحكام مسبقة. نحن لا نحاكم الرجل، ولا نمارس مكان القضاء، ولا نقرر من تلقاء أنفسنا ما إذا كان ما صدر عنه يشكل جريمة أم لا. القانون وحده هو صاحب الاختصاص في التكييف، والجهات القضائية المختصة هي صاحبة القرار. لكن السؤال الذي يهمنا اليوم ليس فقط: ماذا قال؟ بل السؤال الأوسع: كيف تعامل الخطاب الديني والمؤسسات الإعلامية ذات الرسالة الدينية مع قضية أثارت مشاعر عدد كبير من المغاربة؟ هنا تبدأ المسؤولية. أين صوت المؤسسات الدينية؟ عندما يتعلق الأمر بقضية تمس مشاعر المسلمين ومقام النبي (ص)، فإن المواطن المغربي ينتظر، وبحق، خطاباً دينياً واضحاً، هادئاً، عالماً ومتزناً. لا نريد بيانات انفعالية. ولا نريد حملات تشهير. ولا نريد محاكمات شعبية. ولا نريد تحويل القضية إلى تصفية حسابات. لكننا نريد كلمة علمية مسؤولة تضع الأمور في نصابها. وهنا يبرز السؤال الموجه، بكل احترام، إلى وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية: هل من الطبيعي أن تمر قضية بهذا الحجم من التداول المجتمعي دون أن يسمع المواطن توضيحاً دينياً مؤسساً على العلم والمرجعية الشرعية؟ إن المؤسسات الدينية ليست مطالبة بالتدخل في اختصاص القضاء، لكنها مطالبة، بحكم رسالتها، بتنوير المجتمع عندما يتعلق الأمر بقضية دينية حساسة. وقناة محمد السادس للقرآن الكريم… أين دورها؟ إذا كان هناك منبر إعلامي يمكنه أن يتناول القضية بعيداً عن الصراخ والمزايدات، فهو الإعلام الديني الرصين. ومن هنا يأتي التساؤل حول قناة محمد السادس للقرآن الكريم. هذه القناة لا نطالبها بأن تتحول إلى محكمة، ولا بأن تصدر أحكاماً على الأشخاص. بل كان يمكن، مثلاً، فتح نقاش علمي هادئ يستضيف علماء ومختصين في الشريعة والقانون والإعلام، لشرح: ما هي مكانة الرسول (ص) في العقيدة الإسلامية؟ ما هي حدود حرية التعبير؟ متى يتحول التعبير عن الرأي إلى إساءة للمقدسات؟ وكيف يتعامل القانون مع مثل هذه الوقائع؟ بهذه الطريقة تكون المؤسسة الإعلامية قد قامت بدورها التنويري دون أن تتدخل في اختصاص القضاء. أليس هذا هو جوهر الإعلام الديني؟ لسنا ضد حرية التعبير ومن باب الإنصاف، يجب أن نقولها بوضوح: الدفاع عن رسول الله (ص)لا يعني إلغاء حرية التعبير. والغيرة على المقدسات لا تعني السماح بالفوضى. والاختلاف مع شخص ما لا يمنح أي إنسان الحق في قذفه أو التشهير به أو التحريض عليه. نحن نؤمن بأن دولة المؤسسات تعني أن الجميع تحت سقف القانون. ومن يعتقد أن شخصاً تجاوز القانون، فهناك مؤسسات مختصة يمكنها البحث والتحقيق واتخاذ ما تراه مناسباً وفقاً للقانون. لكن احترام حرية التعبير لا يعني أن يتحول كل شيء إلى مباح. كما أن احترام المقدسات لا يعني أن يتحول المجتمع إلى محكمة شعبية. المعادلة الصحيحة هي: حرية مسؤولة + قانون عادل + خطاب ديني حكيم. لماذا يؤلم الصمت؟ ما يؤلم المواطن ليس فقط مضمون التصريحات المتداولة. بل إن السؤال الأكبر الذي بدأ يتردد بين الناس هو: لماذا لا نسمع كلمة واضحة من الجهات التي يفترض أن يكون الشأن الديني من صميم رسالتها؟ إن غياب التوضيح يترك فراغاً. والفراغ الإعلامي والديني لا يبقى فارغاً. سرعان ما تملؤه التأويلات، والشائعات، والمواقف المتطرفة، والاتهامات المتبادلة. وقد يتحول موضوع كان يمكن احتواؤه بكلمة علمية مسؤولة إلى أزمة ثقة. ولهذا فإن إصدار توضيح مسؤول لا يعني إدانة أحد. بل قد يكون، في حد ذاته، وسيلة لحماية الجميع. المغربي ومحبة رسول الله( ص،) المغرب ليس بلداً طارئاً على الإسلام. ولا يمكن اختزال علاقة المغاربة برسول الله (ص )في ظرف سياسي أو إعلامي عابر. لقد ارتبط الوجدان المغربي عبر قرون طويلة بالإسلام وبمحبة النبي الكريم( ص) وظلت هذه المحبة حاضرة في المساجد، وفي التعليم الديني، وفي المناسبات الدينية، وفي الحياة اليومية للمغاربة. ولهذا فإن أي حديث يفهم منه الإساءة إلى رسول الله( ص )لا يمكن أن يُنظر إليه باعتباره مجرد مادة للجدل على مواقع التواصل الاجتماعي. إنه موضوع يمس مشاعر المؤمنين. ومع ذلك، فإن قوة الإيمان لا ينبغي أن تدفعنا إلى الخروج عن القانون. بل العكس تماماً. كلما كانت القضية عظيمة، وجب أن يكون خطابنا أكثر حكمة. إلى المنابر الإعلامية المغربية أما القنوات والمنابر الإعلامية المغربية الأخرى، فنحن لا نطالبها بتبني موقف معين، ولا بأن تنصب نفسها طرفاً في القضية. لكن الإعلام المهني مطالب بالمسؤولية. فإذا كانت القضية قد وصلت إلى الرأي العام وأثارت نقاشاً واسعاً، فمن حق المواطن أن يجد تغطية مهنية، لا تحريضاً، ولا تشهيراً، ولا اقتطاعاً من السياق. ويمكن للإعلام أن يسأل الخبراء، وأن يستضيف العلماء، وأن يستمع إلى القانونيين، وأن يقدم للمواطن المعلومة الصحيحة. الإعلام المسؤول لا يصدر الأحكام… بل يضيء الطريق أمام الرأي العام. هل أصبح المنصب أقوى من كلمة الحق؟ هنا نصل إلى نقطة أكثر حساسية. نحن لا نقول إن أي مسؤول صمت خوفاً على منصبه. ولا نملك الحق في قراءة النوايا. لكننا نطرح السؤال من باب المبدأ: هل ينبغي أن يكون المنصب سبباً في تجنب كلمة الحق عندما تكون الكلمة ممكنة، قانونية، حكيمة ومسؤولة؟ المسؤولية ليست فقط في اتخاذ القرارات. المسؤولية أيضاً في المواقف. وفي بعض الأحيان تكون كلمة واحدة مسؤولة قادرة على إطفاء فتنة كاملة. وفي أحيان أخرى، قد يؤدي الصمت الطويل إلى جعل الناس يطرحون أسئلة أكبر من القضية نفسها. ومن هنا نقول: لا نريد بطولة إعلامية، ولا نريد مزايدات دينية، ولا نريد تصفية حسابات. نريد فقط الوضوح. رسول الله (ص) ليس مادة للمزايدة ومن المهم جداً أن نؤكد: لا أحد يملك احتكار محبة رسول الله( ص). ولا يحق لأحد أن يجعل الدفاع عنه وسيلة لتصفية الحساب مع خصوم سياسيين أو فكريين أو شخصيين. محبة الرسول (ص)تظهر في الأخلاق، في الصدق، في الرحمة، في احترام الإنسان، وفي الالتزام بالقانون. ومن يدافع عن الرسول (ص) بالسباب والقذف والتشهير، لا يخدم القضية التي يدافع عنها. أما الدفاع الحقيقي، فيكون بالعلم والحجة والحكمة. وهذه هي الرسالة التي نريدها من المؤسسات الدينية والإعلامية. كلمة إلى كل مسؤول نقولها بكل احترام: أنتم لا تتحملون مسؤولية أقوال الناس التي لا علاقة لكم بها. لكنكم تتحملون مسؤولية المؤسسات التي تشرفون عليها، ومسؤولية الخطاب الذي تقدمه تلك المؤسسات للمجتمع. ولا نطالبكم بإدانة أحد. ولا نطالبكم بإصدار حكم قضائي. ولا نطالبكم بتجاوز اختصاصاتكم. نطالب فقط بأن تقولوا للمواطن: هذا هو الموقف الشرعي. وهذه هي حدود حرية التعبير. وهذا هو الإطار القانوني. وهذه هي الطريقة السليمة لمعالجة القضية. وبذلك تكونون قد أديتم واجبكم دون ظلم أحد. الشبكة الوطنية لحقوق الإنسان: لا قذف ولا تشهير… ولكن لا صمت عن السؤال وانطلاقاً من مسؤوليتنا الحقوقية، فإن الشبكة الوطنية لحقوق الإنسان لا تنصب نفسها قاضياً، ولا تطالب بعقوبة خارج القانون، ولا توجه اتهاماً مسبقاً إلى أي شخص. لكنها ترفض في الوقت نفسه أن يصبح الصمت سبباً في ترك الرأي العام أمام علامات استفهام مفتوحة. نحن مع دولة الحق والقانون. مع حرية التعبير المسؤولة. مع احترام المقدسات. مع حماية كرامة الإنسان. مع عدم التشهير بالأشخاص. ومع أن يأخذ كل ملف مساره المؤسساتي والقانوني الصحيح. لكننا أيضاً مع حق المواطن في معرفة الموقف الواضح من القضايا التي تمس وجدانه الديني. وفي النهاية… رسول الله محمد( ص،) ليس ملكاً لشخص، ولا لحزب، ولا لجمعية، ولا لقناة، ولا لمؤسسة. هو نبي هذه الأمة، ومحبته راسخة في قلوب ملايين المسلمين. والدفاع عن مقامه لا يحتاج إلى فوضى، ولا إلى سب، ولا إلى تشهير. يحتاج إلى علم، وحكمة، وموقف مسؤول، واحترام للقانون. أما المؤسسات الدينية، فمكانتها تزداد عندما تقول كلمة الحق بالحكمة. والإعلام الديني يزداد قوة عندما يفتح أبوابه للعلماء والمختصين. والمسؤول يزداد احتراماً عندما يفرق بين حماية اختصاص المؤسسة وبين التدخل في اختصاص القضاء. نحن لا نطالب بمحاكمة أحد عبر الإعلام. بل نطالب بأن لا تتحول القضية إلى صمت إعلامي وديني مفتوح. لأن الصمت ليس دائماً حكمة. وأحياناً تكون الحكمة نفسها هي أن نقول كلمة واضحة، مسؤولة، متزنة: نحن نحترم حرية التعبير، ونحترم القانون، ونحترم الإنسان، لكننا في الوقت نفسه نحترم مقدسات ملايين المسلمين ومقام رسول الله محمد( ص). تلك ليست دعوة إلى الفتنة. وليست دعوة إلى الانتقام. وليست تشهيراً بأحد. إنها ببساطة كلمة حق من أجل أن يبقى الحق فوق الحسابات، والقانون فوق الانفعال، والحكمة فوق المزايدات. والحق يعلو ولا يُعلى عليه. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.