الفضاء العمومي بين حرية التعبير وخطر التشهير.. أي مستقبل للنقاش العمومي بالمغرب؟ الناطور:روزانة فتيحة مراسلة متعاونة مع جريدة صوت الاطلس
. يشهد المشهد العمومي بالمغرب خلال السنوات الأخيرة تحولات متسارعة فرضتها الثورة الرقمية واتساع دائرة التأثير التي أصبحت تمارسها منصات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام الحديثة. هذه التحولات، رغم ما أتاحته من فرص للتعبير وإيصال المعلومة وتوسيع دائرة المشاركة المجتمعية، أفرزت في المقابل تحديات حقيقية باتت تطرح أسئلة جوهرية حول طبيعة النقاش العمومي وحدود الممارسة الإعلامية والمسؤولية الأخلاقية في الفضاء الرقمي. ففي خضم التنافس المحتدم على جذب الانتباه وحصد التفاعلات، برزت ممارسات تتجاوز أحياناً حدود النقد المشروع لتصل إلى مستويات من التشهير والتجريح الشخصي، حيث أصبحت الحياة الخاصة لبعض الأفراد والشخصيات العمومية موضوعاً للنقاش والتداول خارج الأطر القانونية والمؤسساتية المختصة. وهو واقع يثير مخاوف متزايدة بشأن تأثير هذه الممارسات على قيم التعايش والاحترام المتبادل داخل المجتمع. ويحذر متابعون من أن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى إضعاف الثقة بين مختلف مكونات المجتمع، ويحول النقاش العمومي من فضاء لتبادل الآراء والأفكار إلى ساحة للصراعات الشخصية وتصفية الحسابات، الأمر الذي ينعكس سلباً على جودة الحوار العمومي وقدرته على إنتاج حلول واقتراحات تخدم الصالح العام. وفي السياق ذاته، يلاحظ تنامي حالة من الاستقطاب الحاد بين تيارات ومجموعات مختلفة، حيث تعتبر بعض الأطراف أن أي انتقاد للسياسات العمومية أو أداء المؤسسات يمثل استهدافاً للدولة أو مساساً بالثوابت الوطنية، بينما تتبنى أطراف أخرى خطاباً معارضاً يتسم أحياناً بالتشدد والحدة. وبين هذين التوجهين، تتقلص مساحة النقاش الهادئ القائم على الحجة والاحترام المتبادل. أما على المستوى الإعلامي، فإن التحديات تبدو أكثر تعقيداً. فبينما يفترض أن تضطلع الصحافة بأدوارها الأساسية في نقل الأخبار والتحقق من المعطيات وتنوير الرأي العام، تبرز أحياناً ممارسات تدفع ببعض المنابر إلى الانخراط في سجالات وصراعات مباشرة مع فاعلين إعلاميين أو سياسيين، ما يطرح تساؤلات مشروعة حول الحدود الفاصلة بين العمل الصحفي المهني وبين الانخراط في معارك ذات أبعاد سياسية أو شخصية. كما أن النقاش الدائر حول استقلالية بعض المنصات الإعلامية وعلاقاتها المحتملة بمراكز النفوذ أو دوائر التأثير يعكس حجم التحديات التي تواجه الإعلام المغربي في سعيه إلى تعزيز الثقة والمصداقية لدى الرأي العام، خاصة في ظل بيئة رقمية تتسم بسرعة انتشار الأخبار وصعوبة التحقق من مصادرها أحياناً. وفي مقابل هذه السجالات، تظل العديد من القضايا الحيوية التي تهم المواطنين في مقدمة الأولويات الوطنية، من قبيل التعليم والصحة والتشغيل والتنمية المجالية والعدالة الاجتماعية، بحاجة إلى نقاشات أعمق وأكثر استمرارية، بعيداً عن ضجيج الصراعات الجانبية التي تستنزف جزءاً مهماً من الاهتمام العمومي. إن المجتمعات الديمقراطية القوية لا تقوم على إلغاء الاختلاف أو مصادرة الآراء، بل على تدبير التعدد والاختلاف في إطار من الاحترام المتبادل وسيادة القانون وحماية الحقوق والحريات. كما أن الإعلام الحقيقي يقاس بقدرته على خدمة الحقيقة وتنوير الرأي العام، لا بحجم الاصطفافات أو حدة المواجهات. ومن هذا المنطلق، تبدو الحاجة ملحة اليوم إلى ترسيخ ثقافة الحوار المسؤول، وتعزيز الضمانات القانونية والأخلاقية التي تحمي كرامة الأفراد وخصوصيتهم، وفي الوقت نفسه تصون حرية التعبير باعتبارها إحدى الركائز الأساسية لأي مجتمع ديمقراطي حديث. ويبقى السؤال مطروحاً بإلحاح: هل تمثل هذه الظواهر مجرد انعكاس مرحلي للتحولات التي فرضها الإعلام الرقمي وشبكات التواصل الاجتماعي، أم أنها مؤشرات على تحولات أعمق تستدعي فتح نقاش وطني واسع حول مستقبل الفضاء العمومي المغربي وآليات حمايته من الانزلاق نحو مزيد من الاستقطاب والتشهير؟ سؤال يظل مفتوحاً أمام مختلف الفاعلين والمؤسسات والمهتمين بالشأن العام.