اخبارمحلية

اولاد يوسف… من ذاكرة الأرض إلى جسور الهجرة بإيطاليا، مهرجانٌ يجمع أبناء الوطن والمهجر ويحوّل روح التضامن إلى رافعة للتنمية المحلية

اولاد يوسف… من ذاكرة الأرض إلى جسور الهجرة بإيطاليا، مهرجانٌ يجمع أبناء الوطن والمهجر ويحوّل روح التضامن إلى رافعة للتنمية المحلية

Spread the love

أولاد يوسف.. من ذاكرة القبيلة إلى اقتصاد الهجرة ومهرجان يجمع أبناء الأرض والمهجر.
بقلم مدير النشر جريدة صوت الاطلس والأمين العام الشبكة الوطنية لحقوق الإنسان
انوار حسن الهاتف 0661548867

من قلب إقليم بني ملال، تواصل جماعة أولاد يوسف كتابة فصل خاص من تاريخها المحلي، ليس فقط باعتبارها جماعة قروية لها امتدادها الاجتماعي والثقافي داخل مجال تادلة، وإنما أيضاً باعتبارها جماعة ارتبط اسمها، على مدى عقود، بهجرة أبنائها إلى أوروبا، وخاصة إلى إيطاليا، حيث تحولت الهجرة بالنسبة إلى عدد كبير من الأسر إلى مسار حياة، ومصدر رزق، وجسر مستمر بين الوطن والمهجر.
وحسب معطيات الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024، يبلغ عدد سكان جماعة أولاد يوسف 14,247 نسمة، ضمن 3,290 أسرة، وهو ما يجعلها من الجماعات القروية ذات الحضور السكاني والاجتماعي المهم بإقليم بني ملال.
لكن أرقام السكان وحدها لا تختصر قصة أولاد يوسف.
فهذه الجماعة تحمل في ذاكرتها تاريخاً اجتماعياً وثقافياً ارتبط بالأرض، بالفلاحة، بالعلاقات العائلية والقبلية، وبعادات وتقاليد ظل بعضها حاضراً إلى اليوم، وفي مقدمتها فن التبوريدة والفروسية التقليدية التي أصبحت جزءاً من الصورة الثقافية التي تقدم بها أولاد يوسف نفسها للزوار وأبناء الجالية. وقد سبق لجريدة صوت الأطلس أن واكبت هذه التظاهرة، وسجلت ارتباطها بالموروث المادي والشفهي للمنطقة وكرم أهلها وحسن استقبال الضيوف.
أولاد يوسف.. حين تصبح الهجرة جزءاً من الاقتصاد المحلي
من الصعب الحديث عن أولاد يوسف دون الحديث عن أبنائها المقيمين بالخارج.
فالهجرة هنا ليست مجرد سفر بعيد عن الوطن؛ بل أصبحت، بالنسبة إلى عدد من الأسر، امتداداً اقتصادياً واجتماعياً للجماعة. وقد ارتبط اسم أولاد يوسف في الإعلام المحلي والجهوي منذ سنوات بوجود جالية مهمة في إيطاليا، وبعودة عدد من المهاجرين إلى أرض الوطن خلال فترات العطل والمناسبات، حاملين معهم ثمرة سنوات من العمل في أوروبا.
ومن خلال الاحتكاك الميداني المباشر بهذه الجماعة، يمكن تسجيل حضور واضح لثقافة الاستثمار والعمل، سواء في المجال الفلاحي أو في بعض الأنشطة التجارية والخدماتية والسياحية والمقاهي وغيرها، وهو ما يجعل تحويل العملة الأجنبية إلى مشاريع داخل الوطن إحدى الصور التي تستحق التنويه.
وهنا يجب قول الحقيقة دون مبالغة:
المهاجر الذي يشتغل سنوات طويلة بعيداً عن أسرته، ثم يعود ليضع جزءاً من ثمرة عمله في مشروع داخل وطنه، لا يساهم فقط في تحسين وضع أسرته، بل يمكن أن يساهم أيضاً في تحريك الاقتصاد المحلي وخلق فرص الشغل.
وهذه القيمة لا ينبغي اختزالها في الأرقام المالية وحدها؛ لأن خلف كل مشروع أسرة، وخلف كل مشروع يد عاملة، وخلف كل عودة من أوروبا حكاية تعب وصبر وانتظار.
الكرم.. قيمة اجتماعية لا تحتاج إلى شهادة
ومن خلال المعاينة والاحتكاك المباشر، فإن كرم أبناء أولاد يوسف وحسن استقبال الضيوف من السمات التي يصعب تجاهلها.
وقد ظهرت هذه الصورة بوضوح في مهرجانات السنوات الماضية، حيث تحولت التبوريدة والاحتفالات إلى مناسبة للتواصل بين أولاد يوسف ومحيطها القبلي والاجتماعي، واستقبال فرق وزوار من مناطق مختلفة.
لكن الإنصاف الصحفي يقتضي أيضاً ألا نرى نصف الصورة فقط.
فالمجتمع، مهما كانت إيجابياته، له تحدياته الاجتماعية الخاصة، ومن بينها ما يلاحظ من حالات الطلاق وآثارها النفسية والاجتماعية على الأسر والأطفال. والحديث عن هذه الظاهرة لا ينبغي أن يتحول إلى اتهام للجماعة أو لأبنائها، وإنما إلى دعوة هادئة إلى التفكير في أسبابها وآثارها وسبل الحد من تداعياتها.
المهرجان.. أكثر من منصة للفرجة
الدورة التاسعة عشرة لمهرجان المهاجر بأولاد يوسف، الممتدة من فاتح أكتوبر إلى 4 أكتوبر 2026، ليست مجرد موعد للفرجة والتبوريدة. فقد أعلنت الجماعة أيضاً عن فضاءات للعرض والبيع والأنشطة التجارية، بما يمنح المهرجان بعداً اقتصادياً إلى جانب بعده الثقافي والاجتماعي.
وهنا تكمن قيمة المهرجان الحقيقية.
فحين يعود أبناء الجالية إلى جماعتهم، وتلتقي الأسر بعد شهور من الغربة، وتتحرك التجارة، وتفتح فضاءات للعرض، وتحضر الصناعة التقليدية، وتقدم فرق التبوريدة عروضها، فإننا أمام موعد سنوي يعيد جمع أجزاء المجتمع حول ذاكرة واحدة وهوية واحدة ووطن واحد.
وقد حملت النسخة الثامنة عشرة سنة 2024 شعاراً يربط صراحة بين مغاربة العالم والتنمية المحلية، وهو توجه ينسجم مع الدور الذي يمكن أن تضطلع به الجالية في دعم الاستثمار والمشاريع المحلية.
رئاسة الجماعة.. التواضع في التعامل قيمة تُحسب للمسؤول
ومن باب الإنصاف أيضاً، فإن التعامل الجيد والتواضع في التواصل مع الساكنة متى ثبتا في الممارسة اليومية، يستحقان التنويه.
وهذا ليس مدحاً لشخص من أجل غاية، ولا بحثاً عن مصلحة، وإنما هو مبدأ بسيط:
إذا أحسن المسؤول في خدمة المواطن، فمن حقه أن يسمع كلمة شكر؛ وإذا أخطأ، فمن حق المواطن أن ينتقده بالوسائل المشروعة.
والعمل الصحفي المسؤول لا ينبغي أن يكون لا مع المديح المجاني ولا مع الهجوم المجاني، بل مع نقل الواقع كما هو، بكل إيجابياته ونقائصه.
من مهرجان المهاجر إلى مشروع تنموي دائم
الرسالة الأهم التي يمكن أن تخرج بها أولاد يوسف من هذا الموعد السنوي هي أن الجالية ليست فقط ضيفاً في موسم الصيف، وليست فقط مصدراً للعملة الأجنبية، وإنما شريك محتمل في التنمية المحلية.
فالعملة التي تأتي من أوروبا يمكن أن تتحول إلى مشروع، والمشروع يمكن أن يتحول إلى فرصة عمل، وفرصة العمل يمكن أن تتحول إلى استقرار اجتماعي، والاستقرار يمكن أن يفتح الباب أمام تنمية حقيقية.
ولهذا فإن الطموح الأكبر يجب ألا يتوقف عند نجاح المهرجان في جمع الناس والاحتفاء بالتراث، بل أن يتحول هذا التجمع السنوي إلى مناسبة للحوار حول المستقبل:
ماذا تحتاج أولاد يوسف؟
ما هي المشاريع التي تحتاجها؟
كيف يمكن للجالية أن تساهم في الاستثمار؟
وكيف يمكن تحويل الطاقات الموجودة داخل الجماعة وخارجها إلى مشاريع تنموية تساير العصر؟
إن أولاد يوسف تملك رأسمالاً بشرياً مهماً داخل الوطن وخارجه، وتملك تراثاً ثقافياً، وتملك طاقات اقتصادية، وتملك أبناءً ارتبطوا بها رغم المسافات.
ومن هنا، فإن جريدة صوت الأطلس والشبكة الوطنية لحقوق الإنسان تباركان هذه التظاهرة، باعتبارها مساحة للتواصل وصلة الرحم والاحتفاء بالتراث، مع التأكيد أن القيمة الحقيقية لأي مهرجان لا تقاس فقط بعدد الحاضرين أو قوة العروض، وإنما بما يتركه بعد انتهائه من أفكار ومشاريع وشراكات وفرص تنمية يستفيد منها المواطن.
أولاد يوسف ليست فقط جماعة تستقبل أبناءها المهاجرين كل سنة؛ إنها نموذج حي لعلاقة يمكن أن تكون أقوى بين الإنسان وأرضه، وبين المهاجر ووطنه، وبين الثقافة والتنمية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى