بين حق المحامي وحق المتقاضي: لا عدالة بلا دفاع ولا دولة مؤسسات بلا احترام للقانون بقلم مدير النشر جريدة صوت الاطلس والأمين العام الشبكة الوطنية لحقوق الانسان انوار حسن الهاتف 0661548867
ملاحظة: إلى الرأي العام الوطني إلى كل من يتابع اسمنا المتواضع، وإلى كل من يقرأ منشوراتنا ويعرف أن مرجعيتنا الأولى هي محبة الوطن والغيرة الصادقة على الشأن العام الوطني، دون استهداف أو تحديد لجهة من جهات المملكة المغربية. أجد نفسي، من خلال حضوري المستمر بين مختلف شرائح المجتمع المغربي، أمام مسؤولية أدبية وحقوقية تفرض عليّ أن أنقل ما أراه وأسمعه بكل أمانة، بعيداً عن الحسابات الضيقة أو الرغبة في الإساءة إلى أي طرف. إن المهنة التي ارتبطت بها بشغف منذ سنوات طويلة، وهي مهنة التصوير، لم تكن بالنسبة إلي مجرد عمل، بل كانت مدرسة حقيقية في ملاحظة التفاصيل، والاقتراب من الناس، والاستماع إلى همومهم، وقراءة واقعهم من زوايا مختلفة. ومن خلالها عشت تجارب إنسانية متعددة، والتقيت بمواطنين من مختلف الشرائح الاجتماعية، واستمعت إلى قضاياهم ومشاكلهم وانتظاراتهم. وهذا الاحتكاك اليومي بالمجتمع منحني فرصة لاكتشاف مساحات واسعة من الفكر والثقافة والتجربة الإنسانية، ورسخ لدي قناعة بأن الصحافة والعمل الحقوقي الحقيقي لا يمكن أن ينفصلا عن الواقع. ولهذا فإن ما أكتبه لا ينطلق من خصومة مع مؤسسة أو شخص، ولا من رغبة في صناعة الصراع، وإنما من إحساس صادق بما يعيشه المواطن المغربي، ومن قناعة بأن الكلمة المسؤولة يمكن أن تساهم في التنبيه إلى مكامن الخلل، كما يمكن أن تدعم كل مبادرة إيجابية تخدم الصالح العام. وأؤكد للرأي العام أن مرجعية كتاباتي نابعة من تجربة طويلة منذ الصغر، ومن الملاحظة الميدانية والاحتكاك المباشر بالمواطنين، مع الحرص على أن تظل الكلمة قائمة على المصداقية والإخلاص والغيرة على الوطن. قد أصيب وقد أخطئ في بعض التقديرات، لكنني أحرص دائماً على أن يكون الاختلاف عندي اختلافاً في الرأي، وليس خصومة، وأن يكون النقد وسيلة للإصلاح، وليس للتشهير، وأن يكون التنبيه إلى مكامن الخلل منطلقاً من الحرص على المصلحة العامة. ومن هذه الزاوية تحديداً، يأتي هذا المنشور حول النقاش الدائر بشأن القانون الجديد المنظم لمهنة المحاماة، واستمرار الخلاف بين وزارة العدل وهيئات المحامين، وانعكاس ذلك على المتقاضين. المتقاضي يجب أن يبقى في قلب المعادلة لا ننصب أنفسنا حكماً بين وزارة العدل والمحامين، ولا ندعي تمثيل أي طرف في هذا الخلاف. لكن مسؤوليتنا الحقوقية للشبكة تفرض علينا أن نسأل سؤالاً بسيطاً ومشروعاً: ماذا عن المواطن الذي ينتظر العدالة؟ وراء كل ملف قضائي إنسان، ووراء كل معتقل أسرة، ووراء كل قضية آجال وإجراءات ومذكرات وحقوق قد يكون احترامنا في الوقت المناسب أمراً بالغ الأهمية. ولهذا فإن استمرار توقف العمل بالمحاكم أو تعذر استفادة المتقاضي من دفاعه قد يترك آثاراً قانونية ونفسية واجتماعية لا ينبغي الاستهانة بها. ونحن هنا لا نقلل إطلاقاً من الدور النبيل الذي يؤديه المحامي داخل منظومة العدالة، بل نؤكد أن وجود دفاع مهني ومستقل وقادر على تحليل الملف ومناقشة الدفوع والرد على مذكرات الخصوم هو جزء أساسي من ضمانات المحاكمة العادلة. القانون أصبح نافذاً.. والحوار يبقى مفتوحاً بعد المصادقة على القانون ونشره في الجريدة الرسمية ودخوله حيز التنفيذ، يصبح التعامل معه باعتباره نصاً قانونياً نافذاً من مقتضيات دولة المؤسسات. لكن احترام القانون لا يعني إغلاق باب المطالبة بتعديله. فإذا كانت هناك مقتضيات يرى المحامون أنها تحتاج إلى مراجعة، فإن الآليات المؤسساتية والدستورية تظل مفتوحة أمامهم، ويمكن أن يكون الحوار مع الحكومة المقبلة فرصة لإعادة النظر في كل نقطة تستحق النقاش. ومن هذا المنطلق، نرى أن المرحلة الانتخابية الحالية، في أفق انتخابات 23 شتنبر 2026، تفرض قدراً أكبر من الحكمة والتهدئة، لأن البلاد مقبلة على مرحلة سياسية جديدة، ومن المنتظر أن تتضح معها ملامح الحكومة المقبلة. لماذا ندعو إلى توقيف المقاطعة في هذه المرحلة؟ دعوتنا ليست ضد المحامين، وليست مطالبة لهم بالتنازل عن مطالبهم. إنما هي دعوة إلى فصل حق المهني في الدفاع عن موقفه عن حق المواطن في الوصول إلى العدالة. يمكن للمحامي أن يحتفظ بمطالبه. ويمكن للهيئات المهنية أن تواصل الدفاع عن ملاحظاتها واقتراحاتها. ويمكن بعد تشكيل الحكومة المقبلة فتح حوار جديد ومسؤول حول القانون ومقتضياته. لكن المتقاضي لا يستطيع دائماً الانتظار. خصوصاً في الملفات الزجرية والجنائية، أو القضايا التي ترتبط بآجال قانونية، أو الملفات التي تحتاج إلى جواب أو تعقيب أو إجراء في وقت محدد. المذكرة والجواب.. مسؤولية لا تحتمل الفراغ من بين المسائل التي تستحق الانتباه تلك المتعلقة بالمذكرات والردود والتعقيبات. فقد يقدم أحد الأطراف مذكرة جوابية أو وثيقة قانونية تحتاج إلى مناقشة من الطرف الآخر، وقد يكون غياب الرد سبباً في عدم عرض وجهة نظر قانونية معينة أمام المحكمة. وهنا تكمن أهمية حضور المحامي ومواكبته للملف. فالمحامي عندما يقدم دفوعه ومذكراته لا يقوم بذلك فقط دفاعاً عن موكله، بل يساهم أيضاً في تمكين المحكمة من الاطلاع على مختلف عناصر النزاع، حتى يكون تقديرها مبنياً على صورة أكثر اكتمالاً للملف. ولهذا فإننا نعتبر أن المصلحة الفضلى للمتقاضي يجب أن تظل حاضرة حتى في أصعب الظروف المهنية. حق المحامي محفوظ.. وحق المواطن محفوظ أيضاً نؤكد بكل وضوح: لا أحد فوق القانون، ولا أحد خارج القانون. لكن في المقابل، لا يجوز تحويل هذه العبارة إلى وسيلة لإدانة أي محامٍ أو التشهير بأي جهة. إذا ادعى مواطن أن تقصيراً مهنياً تسبب له في ضرر، فهناك جهات ومساطر قانونية ومهنية مختصة يمكنها دراسة الواقعة وتحديد المسؤوليات. أما إصدار الأحكام عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فليس من العمل الحقوقي الذي نطمح إليه. هنا ندافع عن الحقوق، و ندافع عنها أيضاً باحترام قرينة البراءة، وحق الدفاع، وحرمة الأشخاص والمؤسسات. رسالة إلى وزارة العدل وهيئات المحامين إن وزارة العدل وهيئات المحامين ليستا خصمين للمجتمع. كل طرف له اختصاصاته وموقعه ومسؤوليته. ولهذا نعتقد أن المخرج الحقيقي لا يوجد في رفع منسوب التوتر، وإنما في العودة إلى طاولة الحوار المؤسساتي. نقابة المحامين لها كامل الحق في عرض ملاحظاتها. ووزارة العدل لها مسؤوليتها في تدبير السياسة العمومية في مجال العدالة. والبرلمان له اختصاصه التشريعي. والقضاء له استقلاله. والمواطن له حقه في العدالة والدفاع. هذه المعادلة لا تحتاج إلى غالب ومغلوب، وإنما تحتاج إلى توافق يحفظ هيبة القانون وكرامة المهنة وحقوق المتقاضين. موقف الشبكة الوطنية لحقوق الإنسان بناءً على ما سبق، فإننا نرى أن توقيف المقاطعة في هذه المرحلة يمكن أن يكون خطوة حكيمة ومسؤولة، إلى حين ظهور ملامح الحكومة الجديدة بعد انتخابات 23 شتنبر 2026. وهذا التوقيف لا يعني إسقاط المطالب المهنية، ولا يمنع المحامين وهيئاتهم من العودة إلى الحوار والمطالبة بالتعديل أو المراجعة وفق الآليات القانونية. بل قد يكون فتح المحاكم أمام المتقاضين فرصة لبناء الثقة من جديد، وحماية الملفات المستعجلة، ومواكبة المعتقلين، وضمان استمرار الدفاع في القضايا التي لا تحتمل التأخير. كلمة أخيرة المواطن المغربي لا يريد أن يرى مؤسسات وطنية تتصارع، وإنما يريد أن يرى مؤسسات تتحاور. لا يريد أن يعرف من انتصر ومن انهزم. بل يريد أن يعرف: هل ستبقى حقوقه محفوظة؟ وهل سيجد محاميه عندما يحتاج إليه؟ وهل ستظل المحكمة قادرة على النظر في ملفه دون أن تضيع عليه فرصة قانونية؟ ومن هنا فإن رسالتنا ليست ضد المحامي، وليست مع الوزارة ضد المحامين، وليست مع الوزارة ضد المواطن. رسالتنا ببساطة: مع القانون، مع العدالة، مع حق الدفاع، ومع المواطن أولاً. فالخلافات المهنية والسياسية يمكن أن تجد طريقها إلى الحل بالحوار، أما بعض الحقوق التي تضيع بسبب التأخير فقد يكون من الصعب استرجاعها. ولهذا نعتقد أن العودة إلى العمل، وفتح حوار جديد بعد تشكيل الحكومة المقبلة، قد يكونان الطريق الأكثر واقعية لحماية مصالح الجميع.