استمرار إضراب المحامين يفاقم معاناة المتقاضين ويجدد الدعوات إلى حوار عاجل يحفظ حقوق الدفاع والمواطن بقلم مدير جريدة صوت الاطلس والأمين العام الشبكة الوطنية لحقوق الانسان انوار حسن الهاتف 0661548868
تشهد الساحة القضائية بالمغرب خلال الفترة الأخيرة حالة من التوتر المهني المتصاعد على خلفية استمرار الاحتجاجات التي يخوضها عدد من المحامين، في منثوق خلافات قائمة مع وزارة العدل حول مجموعة من القضايا المرتبطة بممارسة المهنة ومستقبلها. وقد انتقل هذا الحراك من صيغ احتجاجية مؤقتة إلى أشكال أكثر اتساعا واستمرارية، الأمر الذي أصبحت تنعكس آثاره بشكل مباشر على السير العادي للمحاكم وعلى أوضاع آلاف المواطنين المرتبطين يوميا بمساطر وإجراءات قضائية مختلفة. وإذا كان من حق المحامين، باعتبارهم جزءا أساسيا من منظومة العدالة، التعبير عن مطالبهم المهنية والدفاع عن استقلالية المهنة وضمانات ممارستها، فإن الواقع العملي يكشف في المقابل عن معاناة متزايدة لفئات واسعة من المتقاضين الذين وجدوا أنفسهم أمام تأجيلات متكررة للجلسات وتعطيل لعدد من الإجراءات القانونية التي ترتبط أحيانا بحقوق أساسية لا تحتمل الانتظار. فالمواطن البسيط الذي يلجأ إلى القضاء بحثا عن إنصاف أو استرجاع حق أو حماية قانونية، لا ينظر إلى الخلافات المؤسساتية من زاوية تقنية أو مهنية، بل ينظر إليها من زاوية تأثيرها المباشر على حياته اليومية. فكل تأجيل لجلسة قد يعني استمرار نزاع أسري، أو تأخر الحصول على نفقة، أو تعطيل ملف اجتماعي أو تجاري، أو إطالة أمد معاناة شخص ينتظر حكما قضائيا ينهي حالة من عدم الاستقرار القانوني أو المادي. وتبرز الإشكالية بشكل أكثر حساسية عندما يتعلق الأمر بالأشخاص الموجودين رهن الاعتقال أو السجناء الذين ينتظرون جلسات المحاكمة أو البت في طلبات واستئنافات قانونية. فهؤلاء يعتمدون بشكل أساسي على دور الدفاع في عرض دفوعاتهم القانونية وضمان احترام حقوقهم المكفولة دستوريا وقانونيا. وأي تعثر في حضور الدفاع أو تأجيل مستمر للجلسات قد ينعكس سلبا على أوضاعهم النفسية والاجتماعية وعلى أسرهم التي تترقب مآل ملفاتهم. كما أن العديد من الأسر المغربية تجد نفسها اليوم أمام حالة من القلق والترقب بسبب تأخر البت في ملفات ذات طابع اجتماعي وإنساني، خاصة تلك المرتبطة بالنفقة والحضانة والتطليق والنزاعات الأسرية، وهي ملفات تمس بشكل مباشر استقرار العائلات والأطفال وتستوجب معالجة سريعة تراعي البعد الإنساني إلى جانب البعد القانوني. وفي هذا الإطار، نرى باسم الشبكة الوطنية لحقوق الإنسان أن مهنة المحاماة تشكل أحد الأعمدة الأساسية للعدالة ولدولة الحق والقانون، وأن أي نقاش حول مستقبلها أو شروط ممارستها ينبغي أن يتم في إطار الحوار المسؤول والاحترام المتبادل بين مختلف المؤسسات المعنية. كما نؤكد باسم الشبكة أن حماية حقوق المحامين المهنية لا تتعارض مع ضرورة حماية حقوق المواطنين في الولوج إلى العدالة داخل آجال معقولة ودون عراقيل استثنائية طويلة الأمد. إن المرحلة الحالية تفرض تغليب منطق الحكمة والتوافق على منطق التصعيد، لأن الخاسر الأكبر من استمرار حالة الاحتقان ليس فقط المؤسسات المعنية، بل أيضا المواطن المغربي الذي ينتظر من جميع مكونات منظومة العدالة العمل المشترك من أجل ضمان الأمن القضائي وصيانة الحقوق والحريات. ومن هذا المنطلق، نطالب باسم الشبكة إلى فتح قنوات حوار جاد ومسؤول بين وزارة العدل وممثلي هيئات المحامين، بهدف الوصول إلى حلول عملية ومتوازنة تأخذ بعين الاعتبار المطالب المهنية المشروعة للمحامين، وفي الوقت نفسه تحافظ على استمرارية المرفق القضائي وتضمن عدم الإضرار بمصالح المتقاضين. كما نلح أن المصلحة العامة للوطن يجب أن تظل فوق كل اعتبار، وأن نجاح أي إصلاح أو تسوية يمر عبر إشراك مختلف الفاعلين في منظومة العدالة، بما يحقق الانسجام بين وزارة العدل والمحامين والقضاء، ويعزز ثقة المواطنين في المؤسسات القضائية باعتبارها الضامن الأول للحقوق والحريات. إن العدالة ليست مجرد إجراءات أو جلسات تعقد داخل المحاكم، بل هي أمل للمواطنين في الإنصاف وحماية الحقوق. ولذلك فإن المسؤولية الوطنية والأخلاقية تقتضي من الجميع العمل على تجاوز أسباب الخلاف والبحث عن أرضية مشتركة تضمن كرامة المحامي وتحفظ حق المواطن في الدفاع والمحاكمة العادلة داخل آجال معقولة، خدمة لمصلحة الوطن والمجتمع وسيادة القانون. الله إكون في عون المواطن الضعيف.