من طنجة إلى النقاش الحقوقي الوطني: حين تلتقي الغيرة على القيم مع ضرورة احترام الصفة القانونية أمام القضاء بقلم: أنوار حسن الأمين العام للشبكة الوطنية لحقوق الإنسان مدير النشر جريدة صوت الأطلس. انوار حسن الهاتف 0661548867
لنا مواكبة عن قضية «مولينكس» ووالدة آدم بنشقرون من تطورات أمام محكمة الاستئناف بطنجة، ولا سيما ما ارتبط بجلسة الخميس 5 نونبر 2026، من قرارات إجرائية تخص صفة بعض المطالبين بالحق المدني، ومن بينهم جمعية «زيرو تفاهة» والسيد طاهر سعدون، مع استمرار مناقشة الملف وفق المساطر القضائية المعمول بها. وفي هذا المضمار، نرى أن ما صدر عن المحكمة يستحق التوقف عنده من زاوية قانونية وحقوقية، بعيداً عن الأحكام المسبقة أو محاولات تحويل قرار قضائي إلى مناسبة لتصفية الحسابات أو التقليل من مجهودات المجتمع المدني. أولاً: احترام قرار المحكمة لا يعني الانتقاص من العمل الجمعوي نعتبر أن القضاء هو الجهة المختصة بتقدير الصفة والمصلحة والسند القانوني لكل طرف يرغب في الانتصاب مطالباً بالحق المدني، وفق القوانين المنظمة لذلك. ومن هنا، فإن عدم قبول تدخل جمعية معينة في ملف قضائي، أو التصريح بانعدام صفتها في قضية بعينها، لا ينبغي أن يُفهم باعتباره حكماً على نوايا الجمعية أو على مجمل أنشطتها، وإنما يظل قراراً مرتبطاً بشروط قانونية وإجرائية يتعين احترامها. وهنا نقول أن وصل إيداع ملف الجمعية لدى السلطات المحلية، سواء لدى القائد أو الباشا، لا ينبغي الخلط بينه وبين صفة المنفعة العامة، فلكل منهما طبيعته وآثاره القانونية. كما أن الحصول على صفة المنفعة العامة لا يمنح تلقائياً لأي جمعية حق الانتصاب طرفاً مدنياً في جميع القضايا، بل تظل شروط القانون الخاص بكل ملف هي الفيصل في قبول المطالبة المدنية. ثانياً: تحية تقدير لجمعية زيرو تفاهة رغم الاختلاف القانوني إننا لا نجد حرجاً في التعبير عن احترامنا لجمعية «زيرو تفاهة»، التي اختارت الانخراط في نقاش مجتمعي يتعلق بما تعتبره حماية للقيم الأخلاقية والتصدي للمظاهر السلبية المرتبطة ببعض محتويات العالم الرقمي. قد نختلف معها في بعض التقديرات أو في الوسائل القانونية المتاحة، لكن الاختلاف لا يلغي حقها في التعبير عن موقفها وممارسة دورها المدني في الحدود التي يسمح بها القانون. ولذلك، فإننا لا نعتبر القرار القضائي مناسبة للشماتة أو توجيه عبارات التقليل من شأن الجمعية. فالعمل الجمعوي لا يُقاس فقط بنتيجة مسطرة قضائية واحدة، وإنما أيضاً بمدى احترام القانون والجدية والاستمرارية في خدمة المصلحة العامة. ولها منا كامل الاحترام والتقدير، مع التأكيد أن حماية القاصرين ومواجهة الاستغلال والاتجار بالبشر قضايا تتجاوز الحسابات الجمعوية والشخصية. ثالثاً: القضاء وحده صاحب الكلمة في تحديد المسؤوليات إن خطورة الاتهامات المتداولة في هذا الملف، المرتبطة بشبهات الاتجار بالبشر والاستغلال الجنسي لقاصر وغيرها من الأفعال موضوع المتابعة، تفرض التعامل معها بأقصى درجات المسؤولية. فلا يجوز اعتبار الاتهامات أحكاماً نهائية، كما لا يجوز استباق ما ستنتهي إليه المحكمة من نتائج. و نؤكد أن حماية الطفولة المغربية وصيانة كرامة الإنسان مسؤولية جماعية، وأن مواجهة كل أشكال الاستغلال والانحراف يجب أن تتم من خلال المؤسسات المختصة، وفي مقدمتها القضاء والنيابة العامة، مع احترام قرينة البراءة وحقوق جميع الأطراف. كما أن انعقاد جلسة سرية في هذه المرحلة يظل إجراءً قضائياً تحكمه اعتبارات المحكمة والقانون، ولا ينبغي أن يكون مدخلاً لتأويلات أو استنتاجات لا تستند إلى معطيات رسمية. رابعاً: تقدير خاص للمحامي الأستاذ الصوفي ومن باب الإنصاف، لنا احترام و تقديرنا للمحامي الأستاذ الصوفي، باعتباره مهنياً قانونياً يمارس حقه في الدفاع والترافع وفق استقلالية مهنة المحاماة. وقد عايننا باهتمام عدداً من الملفات التي واكبها، ونرى أن الدفاع عن الحقوق والمظلومين، ومواجهة التجاوزات بالوسائل القانونية، من الأدوار النبيلة التي تستحق الاحترام. فالمحاماة رسالة ومسؤولية، ولا ينبغي أن تتحول الاختلافات في المواقف إلى انتقاص من قيمة الدفاع أو من حق أي طرف في الاستعانة بمحامٍ. خامساً: أين تكمن قوة الجمعيات في الترافع عن المصلحة العامة؟ هنا نصل إلى النقطة التي نعتبرها جوهر هذا النقاش. إن قوة الجمعية لا تكمن في كثرة البلاغات أو الشكايات أو الظهور الإعلامي، وإنما في قانونية وضعيتها، ووضوح أهدافها، واستقلالية قراراتها، ومصداقية عملها، واحترامها للمساطر القضائية. كما أن صفة المنفعة العامة، متى تم منحها وفق المساطر القانونية، تكتسي أهمية خاصة في مجال الترافع عن المصالح العامة، لكنها ليست وحدها ترخيصاً مفتوحاً للتدخل في كل ملف قضائي. فالحق في تقديم الشكايات والتبليغ عن الأفعال التي قد تشكل جرائم يختلف قانوناً عن الحق في المطالبة المدنية والتعويض والانتصاب طرفاً مدنياً. وهذا تمييز جوهري ينبغي أن تستوعبه مختلف الجمعيات، سواء كانت حقوقية أو اجتماعية أو رياضية أو ثقافية. فلا ينبغي أن نضع جميع الجمعيات في مرتبة واحدة من حيث الاختصاص والحقوق القانونية، كما لا ينبغي أن نمنح أي إطار جمعوي صلاحيات لا يخولها له القانون. خلاصة موقفنا باسم الشبكة . إننا نحيي كل مبادرة مدنية صادقة تروم حماية الأسرة المغربية، وصيانة الطفولة، والدفاع عن القيم الإسلامية والوطنية والأخلاقية، شريطة أن تكون وسائلها منسجمة مع القانون وحقوق الإنسان. ونعتبر أن قرار محكمة الاستئناف بطنجة مناسبة لإعادة فتح النقاش حول ضرورة تأهيل العمل الجمعوي، ومعرفة الحدود الفاصلة بين حرية التبليغ والترافع وبين شروط الانتصاب طرفاً مدنياً أمام القضاء. أما جمعية «زيرو تفاهة» والسيد طاهر سعدون، فلهما كامل الحق في احترامنا، كما أن للمحامي الأستاذ الصوفي تقديرنا المهني والحقوقي. ولا نريد أن يكون هذا الملف مناسبة للانتصار لطرف على حساب آخر، بل فرصة لترسيخ ثقافة قانونية تجعل المؤسسات فوق الأشخاص، والقانون فوق كل اعتبار. إن الوطن يحتاج إلى مجتمع مدني قوي، مستقل، مسؤول، لا يبحث عن البوز، ولا يتاجر بآلام الأسر، وإنما يشتغل بصدق وشفافية، ويضع المصلحة العامة فوق كل اعتبار. الصفة تكليف وليست تشريفاً، والقانون فوق القوة، والوطن للجميع. الله، الوطن، الملك..