مجتمعمسؤولين تحت مجهر الشبكة

قبل انتخابات 2026.. المواطن بين معاناة الواقع وحرارة الاستقبال السياسي: قراءة ميدانية للشبكة الوطنية لحقوق الإنسان

قبل انتخابات 2026.. المواطن بين معاناة الواقع وحرارة الاستقبال السياسي: قراءة ميدانية للشبكة الوطنية لحقوق الإنسان

Spread the love

المواطن بين معاناة الواقع وحرارة الاستقبال السياسي
تقرير خاص باسم الشبكة الوطنية لحقوق الإنسان قبل استحقاقات شنبر 2026
إعداد: أنوار حسن
الأمين العام للشبكة الوطنية لحقوق الإنسان ومدير النشر جريدة صوت الاطلس
الهاتف0661548867

ليست مهمة العمل الحقوقي أن يوزع شهادات البراءة أو الإدانة على الأشخاص، ولا أن يتحول إلى خصم سياسي لهذا الطرف أو ذاك. مهمته الأساسية هي أن ينقل ما يراه، وأن يطرح الأسئلة التي يفرضها الواقع، وأن يضع المواطن أمام مسؤوليته كما يضع المسؤول أمام مسؤوليته.
ومن هذا المنطلق، تأتي هذه القراءة التي قمت بإعدادها بصفتي الأمين العام الشبكة الوطنية لحقوق الإنسان من خلال متابعتي ومواكبتي لعدد من الزيارات والأنشطة السياسية والميدانية، خصوصًا بالمناطق الجبلية التابعة لجهة بني ملال خنيفرة.
ولا يتعلق الأمر باستهداف شخص بعينه، ولا بتوجيه اتهام إلى رئيس جهة بني ملال خنيفرة السيد عادل بركات، ولا إلى رئيس الحكومة السيد عزيز أخنوش، وإنما بمحاولة فهم مفارقة تستحق النقاش: كيف يمكن للمواطن أن يتحدث عن البطالة وغلاء المعيشة وضعف الخدمات والعزلة الاجتماعية، ثم يظهر في مناسبات سياسية أخرى وهو يستقبل المسؤولين بالحفاوة والتصفيق والزغاريد والهتافات، وكأن كل المشاكل قد اختفت؟
بين خطاب الغضب ومشهد الاستقبال
من خلال ما أتابعه ميدانيًا، ألاحظ أن جزءًا من الخطاب المتداول في الشارع يتحدث عن الفقر والبطالة وتراجع القدرة الشرائية وصعوبة الوصول إلى بعض الخدمات، بل إن بعض الأصوات تذهب بعيدًا في تحميل المسؤولين السياسيين مسؤولية الأوضاع الاجتماعية.
لكن في المقابل، تكشف بعض التجمعات والزيارات السياسية عن مشهد مختلف تمامًا: استقبال حافل، أهازيج، تصفيق، زغاريد، وعبارات من قبيل “العام زين”.
وهنا لا نريد أن نقول إن المواطن منافق، ولا أن نضع اللوم عليه وحده.
لكن السؤال المشروع هو:
هل نحن أمام قناعة سياسية حقيقية، أم أمام سلوك اجتماعي تحكمه الحاجة والظرف والمصلحة الآنية؟
وهذا السؤال لا يمكن الإجابة عنه بلغة خشبية أو بالشعارات، وإنما يحتاج إلى قراءة هادئة للواقع.
الحاجة المادية قد تغيّر طريقة التعبير
المواطن الذي يعيش في منطقة جبلية ويبحث عن الطريق والماء والكهرباء والخدمات الصحية وفرص الشغل، قد يرى في زيارة مسؤول سياسي فرصة للتعبير عن مطالبه، وقد يرى فيها أيضًا فرصة للحصول على وعد أو تدخل أو حل لمشكلة عاجلة.
وهذا أمر إنساني ينبغي فهمه قبل الحكم عليه.
لكن الخطر يبدأ عندما تتحول الحاجة الآنية إلى بديل عن التفكير في المستقبل.
فالمواطن قد يصفق اليوم لأنه ينتظر منفعة أو حلًا لمشكلته، ثم يعود غدًا إلى منزله ليجد أن أصل المشكلة ما زال قائمًا.
ومن هنا تبرز العبارة القديمة:
“كاد الفقر أن يكون كفرًا”،
ليس بمعناها الديني الذي يحتاج إلى سياقه، وإنما كدلالة اجتماعية على شدة تأثير الحاجة في الإنسان وعلى قراراته ومواقفه.
تباروشت… المعاينة قبل الأحكام
في إطار زياراتي إلى بعض المناطق الجبلية، كانت لي معاينة مباشرة بجماعة تباروشت بإقليم أزيلال.
وقد سجلت، حسب ما عاينته ميدانيًا، ملاحظات مرتبطة ببعض الخدمات وظروف العيش، من بينها قضايا تتعلق بالماء والكهرباء، إضافة إلى ملاحظات مرتبطة بالمستوصف المحلي.
وخلال إحدى الزيارات، وقفت على وضعية غير لائقة للراية الوطنية، كما سجلت ملاحظة بخصوص طريقة التعامل مع أحد المرتفقين بالمستوصف.
لم أتعامل مع الأمر بمنطق التشهير أو إصدار الأحكام، بل تم التواصل مع الجهات المحلية المعنية، حيث لمسنا تجاوبًا سريعًا ومسؤولًا من طرف خليفة القائد والخليفة وتمت معالجة وضعية الراية، كما جرى التعامل مع الملاحظة المرتبطة بالمستوصف، وانتهى الأمر باعتذار من الممرضة المعنية.
وهنا نسجل نقطة إيجابية ينبغي قولها كما هي:
حين يستجيب المسؤول المحلي لملاحظة مشروعة ويعمل على معالجة الخلل، فإن العمل الحقوقي الصادق مطالب أيضًا بالإشارة إلى ذلك.
فالحقوق ليست خصومة، والمراقبة ليست عداء، والتنبيه لا يعني إدانة الأشخاص.
رئيس الجهة تحت مجهر الملاحظة لا تحت حكم مسبق
السيد عادل بركات، رئيس جهة بني ملال خنيفرة، شخصية سياسية لها حضور وازن داخل الجهة، وله ارتباط بإقليم أزيلال، وبجماعة تباروشت تحديدًا، بحكم انتمائه المجالي، إضافة إلى أن شقيقه يتحمل مسؤولية رئاسة الجماعة.
و هنا لا أنطلق من أي موقف شخصي أو خلفية حقدية تجاه الرجل، ولا أعتبر مجرد الانتماء السياسي سببًا للحكم على أداء أي مسؤول.
كما أشير إلى الرأي العام الوطني والمحلي ببني ملال والإقليمي ببني ملال والجهوي لجهة بني ملال خنيفرة أن أنوار حسن لا ينتمي إلى أي حزب سياسي، ولا تربطه علاقة حزبية بأي جهة.
لذلك فإن المعيار بالنسبة لي هو:
ماذا وجدنا على الأرض؟ ماذا تحقق؟ ماذا لم يتحقق؟ وما الذي يحتاج إلى تصحيح؟
لا أكثر ولا أقل.
السؤال الآخر: المناطق التي لا تصلها الزيارات
إذا كانت بعض المدن والمناطق تستقبل المسؤولين بشكل متكرر، وإذا كانت بعض الزيارات تعرف حضورًا جماهيريًا واسعًا، فإن ذلك يطرح سؤالًا موازيًا حول المناطق التي لا تحظى بالقدر نفسه من الحضور.
ومن بين المناطق التي تستحق، في نظري كأمين عام للشبكة ، مزيدًا من الاهتمام والمواكبة جماعة بني اعياط بإقليم أزيلال، خصوصًا بالنظر إلى ما يثار حول وضعيتها والعزلة التي تعاني منها.
كما نتساءل، من باب الملاحظة وليس الاتهام:
هل تحتاج مناطق مثل تكلفت وغيرها إلى زيارات ميدانية مفاجئة وغير معدة مسبقًا، حتى تكون الصورة التي تصل إلى المسؤولين أقرب إلى الواقع اليومي للمواطن؟
فالزيارة المفاجئة، عندما تكون في إطار قانوني ومسؤول، يمكن أن تساعد على اكتشاف ما لا يظهر دائمًا في الزيارات البروتوكولية.
ليست المشكلة في التصفيق… بل فيما بعد التصفيق
وأيضا لا أعتبر التصفيق أو الزغاريد أو الاحتفال جريمة، ولا نريد أن نمنع المواطن من التعبير عن فرحه أو ترحيبه.
لكننا نسأل عن ما بعد الاحتفال.
إذا صفق المواطن لمسؤول سياسي اليوم، فهذا حقه.
وإذا انتقده غدًا، فهذا حقه أيضًا.
لكن المشكلة أن يتحول التصفيق إلى تفويض مفتوح، ثم يتحول الغضب بعد ذلك إلى سبّ وشتم وتحميل المسؤول وحده كل النتائج.
المواطن أيضًا شريك في صناعة المشهد السياسي.
فالصندوق الانتخابي لا يتحرك وحده، والمرشح لا يصوت لنفسه، والبرامج لا تنجح بمجرد إطلاقها.
رسالة إلى المواطن المغربي قبل انتخابات 2026
الانتخابات ليست مناسبة للرقص والتصفيق فقط، وليست أيضًا مناسبة للشتائم والاتهامات.
إنها لحظة يجب أن يسأل فيها المواطن نفسه:
ماذا تحقق؟
ماذا لم يتحقق؟
ما البرنامج؟
من يستحق الثقة؟
وما الذي سيستفيد منه أبنائي بعد خمس أو عشر سنوات؟
الحاجة المادية لا ينبغي أن تجعل الإنسان يبيع مستقبله السياسي مقابل منفعة مؤقتة.
فالاستفادة الآنية قد تحل مشكلة يوم أو أسبوع، لكنها لا تبني مدرسة، ولا توفر مستشفى جيدًا، ولا تخلق فرص شغل دائمة، ولا تنهي عزلة قرية جبلية.
وهنا يجب أن يتحول المواطن من مجرد مستقبل للخطاب السياسي إلى شريك في تقييم الأداء.
أخنوش… والانتقال من الشخص إلى التجربة
أما رئيس الحكومة السيد عزيز أخنوش، فإن الشبكة لا تقدم في هذا التقرير شهادة لصالحه ولا ضده.
الرجل تعرض، ولا يزال، لانتقادات سياسية واجتماعية مختلفة، وفي المقابل فإننا نلاحظ أن له حضورًا جماهيريًا واستقبالات حاشدة خلال عدد من المناسبات والزيارات.
وهذا بحد ذاته لا يكفي لإثبات نجاح أو فشل أي مسؤول.
فالاستقبال الجماهيري ليس استطلاع رأي علميًا، كما أن الغضب في الشارع لا يشكل وحده حكمًا نهائيًا على تجربة حكومية.
المعيار الحقيقي يجب أن يكون هو النتائج والأرقام والبرامج وأثر السياسات العمومية على الحياة اليومية للمواطن.
الخلاصة
الشبكة الوطنية لحقوق الإنسان لا تريد أن تكون بوقًا لأي حزب، ولا خصمًا لأي مسؤول.
نحن نريد أن نكون أمام المرآة التي تعكس ما نراه في الميدان، حتى ولو كان المشهد محرجًا للجميع.
نحن أمام مواطن يشتكي من الفقر، ثم يصفق.
وأمام مواطن ينتقد البطالة، ثم يشارك في احتفال سياسي.
وأمام مواطن يتحدث عن ضعف الخدمات، ثم يمنح صوته لمن يراه قادرًا على مساعدته.
وهذا ليس تناقضًا بسيطًا يمكن اختزاله في كلمة “نفاق”.
إنه نتيجة لتداخل الحاجة والفقر والانتظارية السياسية والثقافة الانتخابية وضعف الثقة في المؤسسات، إلى جانب مسؤولية المواطن نفسه عن الاختيار الذي يقوم به.
لذلك، فإن رسالتنا قبل انتخابات 2026 واضحة:
لا تصفقوا لنا ولا تصفقوا ضدنا؛ اسألوا أولًا: ماذا تحقق؟
لا تجعلوا الحليب والتمر والأهازيج والوعود المؤقتة تحجب عنكم الطريق والماء والكهرباء والصحة والتعليم والشغل.
وفي الوقت نفسه، لا تجعلوا الغضب سببًا في ظلم أي مسؤول أو اتهامه دون دليل.
المواطن مسؤول، والمسؤول مسؤول، والانتخابات لحظة محاسبة ديمقراطية وليست موسمًا للنفاق السياسي ولا موسمًا للانتقام.
أما الشبكة الوطنية لحقوق الإنسان، فستواصل — وفق ما تسمح به إمكاناتها — النزول إلى الميدان، ومعاينة الواقع، والإشادة بالإيجابي، والتنبيه إلى السلبي، دون مكياج سياسي ودون شهادة زور، ودون قذف أو تشهير بأي شخص.
فالحقائق على الأرض هي وحدها التي يجب أن تتحدث.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى