كتاب الراي

الإشاعة الرقمية بين اغتيال الإنسان وهيبة مؤسسات الدولة

الإشاعة الرقمية بين اغتيال الإنسان وهيبة مؤسسات الدولة

Spread the love

الإشاعة الرقمية… حين تتحول المنصات إلى محاكم موازية تهدد الإنسان والمؤسسات
سعاد المبروك – الرباط
مراسلة متعاونة مع جريدة صوت الأطلس

لم تعد المعارك الحديثة تُدار فقط داخل قاعات السياسة أو أروقة المحاكم، بل انتقلت في السنوات الأخيرة إلى فضاءات رقمية مفتوحة، حيث أصبح الهاتف الصغير قادرًا على صناعة رأي عام كامل، وتحويل الشائعة إلى “حقيقة” يتداولها الآلاف دون تمحيص أو انتظار لكلمة القانون.
وفي خضم هذا التحول الخطير، باتت بعض المنصات الاجتماعية تمارس دورًا يتجاوز حرية التعبير، لتتحول أحيانًا إلى ساحات للتشهير والضغط النفسي وإصدار الأحكام الجاهزة، في مشهد تختلط فيه الحقيقة بالتأويل، والوقائع بالإشاعات، والعدالة بالرغبات الشخصية والانفعالات الجماعية.
الجدل الذي رافق قضية القاضي وليد الطالبي كشف حجم التحول الذي أصبح يعيشه المجتمع مع تنامي ظاهرة “المحاكم الرقمية”، حيث لم يعد البعض ينتظر نتائج التحقيقات أو المساطر القانونية، بل أصبحت الأحكام تُصنع في التعليقات والبثوث المباشرة وصفحات الإثارة الرقمية.
والأخطر من ذلك، أن بعض الأصوات الموجودة خارج أرض الوطن، خاصة ممن تحيط بهم ملفات أو صراعات مع مؤسسات الدولة، أصبحت تستثمر في هذا المناخ المشحون لبناء نفوذ قائم على التشهير والابتزاز المعنوي ومحاولة إضعاف ثقة المواطنين في مؤسساتهم، عبر أسلوب يعتمد التسريبات والضغط الإعلامي والتأثير النفسي الممنهج.
غير أن الدولة المغربية، التي راكمت تجربة مؤسساتية وقانونية مهمة، تدرك جيدًا أن هيبة المؤسسات لا تُحمى بالصراخ الرقمي، بل بسيادة القانون واحترام المساطر القضائية. فالقانون لا يُبنى على الانفعال، ولا تُصنع العدالة عبر “الترند”، لأن الحقيقة القضائية تظل مرتبطة بالأدلة الثابتة والبحث الدقيق والقرائن القانونية الواضحة.
وفي المقابل، فإن المسؤولية الأخلاقية تبقى ضرورية، خصوصًا بالنسبة لمن يتحملون مواقع حساسة داخل الدولة، لأن الثقة العمومية مسؤولية ثقيلة، وأي تصرف غير محسوب قد يتحول إلى منفذ تستغله جهات تبحث عن الإثارة أو الاصطياد في المياه العكرة.
لكن وسط هذا الضجيج المتسارع، لا ينبغي أن يغيب الجانب الإنساني. فكل مسؤول أو قاضٍ أو موظف يبقى إنسانًا له أسرته وحياته الخاصة وضغوطه النفسية، وليس من العدالة أن يتحول إلى ضحية لمحاكمات افتراضية أو حملات تشهير تسبق كلمة القضاء.
إن قوة المغرب لم تكن يومًا في منطق الانتقام أو الفوضى، بل في قدرة مؤسساته على التمييز بين الخطأ والحقيقة، وبين الشبهة والإدانة، وبين حرية التعبير ومحاولات المس باستقرار المؤسسات وثقة المجتمع.
واليوم، وأكثر من أي وقت مضى، يحتاج الفضاء الرقمي إلى وعي جماعي يحمي الوطن من فوضى الإشاعة، ويحمي الإنسان من الاغتيال المعنوي، لأن الدول القوية لا تسقط بالضجيج الإلكتروني، كما أن العدالة الحقيقية لا تُصنع داخل التعليقات أو منصات الإثارة، بل داخل مؤسسات تحكمها القوانين واحترام كرامة الإنسان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى