مجتمعمسؤولين تحت مجهر الشبكة

مديحة خيير بين شرعية الاختيار الانتخابي ومبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.. أنوار حسن يطالب بتوضيحات قانونية حول قرار الإعفاء ومعايير التعامل مع الماضي

مديحة خيير بين شرعية الاختيار الانتخابي ومبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.. أنوار حسن يطالب بتوضيحات قانونية حول قرار الإعفاء ومعايير التعامل مع الماضي

Spread the love

مديحة خيير بين شرعية الاختيار الانتخابي ومبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.. أسئلة مشروعة حول الماضي ومعايير الإعفاء.

بقلم مدير النشر جريدة صوت الاطلس والأمين العام الشبكة الوطنية لحقوق الانسان
انوار حسن
الهاتف 0661548867

انطلاقًا من البث المباشر ليوم الاتنين 19 اكتوبر 2026 الذي تطرقت فيه إلى قضية السيدة مديحة خيير، أجد من واجبي توضيح موقفي للرأي العام الوطني، بعيدًا عن منطق الاصطفاف الشخصي أو الدفاع غير المشروط عن أي مسؤول، وانطلاقًا من مبادئ الإنصاف والعدالة واحترام القانون.
إن موقفنا من هذه القضية لا يقوم على رفض المحاسبة، ولا على منح أي شخص حصانة بسبب شعبيته أو موقعه السياسي، بل يقوم على طرح سؤال جوهري: هل يجوز أن يتحول ماضٍ قديم إلى سبب للإقصاء، بعد أن خضع صاحبه للمساطر القانونية ذات الصلة، واستوفى ما يترتب عنها من آثار، ثم شارك في الاستحقاقات الانتخابية وحصل على ثقة الناخبين؟
إن السيدة مديحة خيير لم تظهر في المشهد السياسي اليوم فقط، بل سبق لها أن خاضت تجربة الانتخابات سنة 2021، ووصلت إلى قبة البرلمان، ثم عادت إلى التنافس الانتخابي في الاستحقاق الذي أُشير إليه بتاريخ 23 شتنبر 2026، وحققت، بحسب المعطيات المتداولة، نتيجة انتخابية وازنة عكست حجم الدعم الذي تحظى به في دائرتها الانتخابية بجهة بني ملال خنيفرة.
وهنا نضع أمام الرأي العام سؤالًا يستحق جوابًا مؤسساتيًا واضحًا: إذا كانت المعطيات المرتبطة بماضي المعنية بالأمر معروفة أو قابلة للتحقق، فما هي الضوابط التي اعتُمدت عند قبول ترشحها سابقًا، وما المعايير التي استُند إليها اليوم في اتخاذ قرار الإعفاء؟ وهل جرى التعامل مع الملف وفق مسطرة واضحة، وبناءً على أسباب قانونية وإدارية محددة، أم أن الجدل الذي أثارته وثيقة قديمة ساهم في التعجيل بالقرار؟
إننا لا نصدر حكمًا مسبقًا بشأن سلامة أي قرار، ولا نزعم أن الفوز الانتخابي يمنح صاحبه حصانة من المساءلة. لكننا نصر أن المحاسبة العادلة تقتضي وضوح المعايير، وتكافؤ الفرص، وعدم التعامل مع الأشخاص بمنطق مزدوج؛ فمن حق المؤسسات أن تتحقق من شروط تولي المسؤوليات، ومن حق الرأي العام أيضًا أن يفهم الأسس التي بُنيت عليها قرارات التعيين والإعفاء.
وتزداد أهمية هذا النقاش حين يتعلق الأمر بوثيقة يعود تاريخها إلى سنة 2004، وفق المعطيات المتداولة، في وقت يُقال فيه إن المعنية بالأمر استفادت من رد الاعتبار القانوني، وإن سجلها أصبح خاليًا من السوابق. وإذا ثبتت هذه المعطيات بالوثائق الرسمية، فمن الواجب التمييز بين الآثار القانونية لرد الاعتبار وبين أي شروط أخرى ينص عليها القانون لتولي المسؤوليات العمومية، بدل إطلاق أحكام عامة أو بناء مواقف نهائية على ما يجري تداوله في مواقع التواصل الاجتماعي.
فرد الاعتبار ليس مجرد إجراء شكلي، بل يعكس فلسفة قانونية تقوم على إمكانية تجاوز آثار الماضي وفق الشروط التي يحددها القانون. ولا يجوز، في المقابل، اعتبار رد الاعتبار ضمانًا تلقائيًا لشغل أي منصب، ما دامت هناك شروط قانونية خاصة قد يتعين التحقق منها. ولهذا تحديدًا نطالب بتوضيح الأساس القانوني والإداري للقرار، حتى لا يبقى النقاش أسير التأويلات والانطباعات.
التضامن مع مديحة خيير لا يعني رفض المحاسبة
وفي سياق توضيح موقفي، أتوقف عند مسألة البلاغ الذي صدر عن المندوب الإقليمي للشبكة الوطنية لحقوق الإنسان بني ملال القصيبة ، والذي أعلن فيه التضامن مع السيدة مديحة خيير دون الرجوع إلى الأمين العام أو استشارته، وفق ما سبق أن أوضحته في البث المباشر.
إنني أؤكد للرأي العام أن الإشكال بالنسبة إليّ ليس في مبدأ التضامن، لأن التضامن مع أي شخص يواجه وضعًا يثير أسئلة حقوقية يظل موقفًا مشروعًا متى استند إلى الإنصاف واحترام القانون. وإنما يتعلق الأمر بالطريقة التي جرى بها إصدار البلاغ، ومدى احترام الضوابط التنظيمية والقانون الأساسي للشبكة، وحدود الاختصاص والمسؤولية داخل هياكلها.
فالمؤسسات الحقوقية لا يمكنها الدفاع عن احترام القانون في المجتمع، ثم التساهل في تطبيق قواعدها التنظيمية الداخلية. كما أن العمل الحقوقي مسؤولية جماعية، وليس مجالًا للمبادرات الفردية التي قد تُفهم على أنها موقف رسمي للمؤسسة دون استكمال إجراءات التشاور والتنسيق اللازمة.
ومن هذا المنطلق، فإن تضامننا مع السيدة مديحة خيير لا يعني رفض مبدأ المحاسبة، وإنما يعني المطالبة بتوسيع دائرة الأسئلة لتشمل جميع الأطراف المعنية بمسار الملف.
إذا كانت المعنية بالأمر قد ترشحت مرتين، وجرى قبول ترشحها، ثم حصلت على ثقة الناخبين، فمن المشروع التساؤل عن الجهات التي تحققت منو استيفائها للشروط القانونية في كل مرحلة، وعن مسؤولية المؤسسات المختصة في التدقيق في الملفات قبل ترتيب الآثار السياسية والإدارية عليها.
فربط المسؤولية بالمحاسبة مبدأ لا ينبغي أن يتوقف عند الشخص الذي يتصدر العناوين، بل يجب أن يشمل كذلك كل جهة تدخلت في الإجراءات ذات الصلة، كلٌّ في حدود اختصاصه ومسؤوليته القانونية.
ولا يعني هذا توجيه اتهام إلى أي جهة، أو افتراض وقوع تقصير دون دليل، بل المطالبة بتوضيح مؤسساتي يجيب عن الأسئلة المطروحة، ويحدد المسؤوليات وفق الوقائع الثابتة والمساطر المعمول بها.
كرامة الإنسان فوق منطق التشهير
إن ما يقلقنا في هذه القضية هو أن يتحول تداول وثيقة قديمة إلى محاكمة علنية، وأن تصبح منصات التواصل الاجتماعي فضاءً لإصدار أحكام نهائية قبل اكتمال التحقق من الوقائع وسياقاتها.
فالمسؤول العمومي يخضع للمساءلة، وهذا أمر لا نقاش فيه، لكن المساءلة لا تعني إهدار الكرامة الإنسانية، ولا تبرر التشهير أو استغلال المعطيات الشخصية خارج ما تقتضيه المصلحة العامة والقانون.
كما أن أي معطيات مرتبطة بالحياة الخاصة أو بالحالة الصحية والنفسية ينبغي التعامل معها بأقصى درجات المسؤولية، بعيدًا عن الوصم والاستغلال، مع احترام الحقوق الأساسية للمعنيين بالأمر.
إننا لا ندافع عن الأشخاص لأنهم قريبون منا، ولا نعارض القرارات لأننا نختلف مع أصحابها، بل ننطلق من قاعدة واحدة: القانون فوق الجميع، والإنصاف حق للجميع، والمحاسبة لا تكون عادلة إلا حين تستند إلى معايير واضحة ومسطرة منصفة.
كلمة أخيرة للرأي العام الوطني
إن موقفي بصفتي الأمين العام للشبكة الوطنية لحقوق الإنسان واضح: لسنا ضد المحاسبة، ولسنا مع منح الامتيازات لأي شخص، ولكننا ضد أن يتحول الماضي إلى عقوبة دائمة، وضد أن تُتخذ القرارات في مناخ من الضغط الإعلامي دون تقديم التوضيحات الكافية للرأي العام.
إن قضية مديحة خيير تفتح نقاشًا أوسع من شخصها، يتعلق بمعايير اختيار المسؤولين، وشروط الترشح، وحدود أثر رد الاعتبار، وكيفية اتخاذ قرارات الإعفاء، ومدى انسجام ذلك كله مع مبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
ومن حق المواطنين أن يعرفوا لماذا قُبلت الترشيحات في مراحل سابقة، وما الذي تغير اليوم، وما الأساس القانوني الذي استند إليه قرار الإعفاء، إن ثبتت تفاصيله كما جرى تداولها. ومن حق المؤسسات، في المقابل، أن تقدم توضيحاتها وأن تتحقق من الوقائع في إطار القانون، دون ضغط أو تشهير.
إن الثقة في المؤسسات لا تُبنى بإسكات الأسئلة، بل بالإجابة عنها. ولا تتحقق العدالة بتبرئة الأشخاص مسبقًا أو إدانتهم مسبقًا، بل بضمان الإنصاف وتطبيق القواعد نفسها على الجميع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى