كتاب الراي

المسطرة المدنية الجديدة بالمغرب… إصلاح طموح بين رهانات العدالة السريعة وتحديات التطبيق

المسطرة المدنية الجديدة بالمغرب… إصلاح طموح بين رهانات العدالة السريعة وتحديات التطبيق

Spread the love

المسطرة المدنية الجديدة بالمغرب… إصلاح طموح بين رهانات العدالة السريعة وتحديات التطبيق.
الاستادة زكية مطالب /الرباط
مراسلة متعاونة مع جريدة صوت الاطلس

في سياق إصلاح منظومة العدالة، يدخل القانون رقم 58.25 المتعلق بالمسطرة المدنية مرحلة مفصلية بعد اعتماده، حاملاً معه حزمة من التغييرات التي يُفترض أن تعيد ترتيب طريقة اشتغال القضاء المدني بالمغرب، وتضع حداً لاختلالات ظلت لسنوات تُثقل كاهل المتقاضين وتُبطئ مسار القضايا.
هذا النص القانوني، الذي جاء ليعوض ترسانة تعود إلى سنة 1913، لا يكتفي بتحديث شكلي، بل يسعى إلى إعادة ضبط قواعد التقاضي من جذورها، عبر تجميع مختلف المساطر في إطار موحد يشمل المدني والإداري والتجاري، في خطوة تروم تقليص التعقيد وتبسيط المسارات أمام المواطنين.
ومن أبرز ما يحمله هذا القانون، الدفع نحو تسريع وتيرة البت في القضايا، حيث لم يعد التأخير مقبولاً، وأصبح القاضي ملزماً بإصدار الأحكام داخل آجال معقولة، مع تعزيز مكانة حقوق الدفاع وضمان حضورها في كل مراحل التقاضي، تفادياً لأي مساس بمبدأ المحاكمة العادلة.
كما يفتح التشريع الجديد الباب أمام اعتماد الحلول الودية، من خلال تمكين المحكمة من اقتراح الصلح أو الوساطة بشكل تلقائي، وهو توجه يرمي إلى تخفيف الضغط عن المحاكم وتقليص عدد النزاعات التي تصل إلى مرحلة الحكم.
وفي مواجهة ظاهرة الدعاوى الكيدية، شدد القانون الخناق على كل أشكال التقاضي بسوء نية، عبر إقرار إمكانية المطالبة بالتعويض عن الأضرار الناتجة عن الاستعمال التعسفي لحق التقاضي، في محاولة لحماية الزمن القضائي من الاستنزاف.
وعلى مستوى الاختصاص، تم وضع معايير أكثر وضوحاً، سواء من حيث القيمة أو النوع، مع تقليص آجال البت في الدفوع الشكلية، وهو ما يُفترض أن يحد من المناورات التي كانت تؤخر الفصل في القضايا، ويدفع نحو التركيز على جوهر النزاع بدل الشكليات.
التحول الرقمي بدوره يحتل مكانة مركزية في هذا الإصلاح، حيث تم إدماج الوسائل التكنولوجية في مختلف مراحل التقاضي، من إيداع الملفات إلى التبليغ وعقد الجلسات عن بعد، ما من شأنه تقريب العدالة من المواطنين وتخفيف الأعباء الإجرائية، شريطة توفر البنية التقنية الكفيلة بإنجاح هذا الورش.
كما عزز القانون من حضور النيابة العامة في القضايا المدنية، خاصة تلك المرتبطة بالنظام العام والأسرة، ومنحها صلاحيات أوسع للتدخل والطعن في الأحكام المخالفة، في إطار حماية التوازن القانوني وضمان احترام القواعد الأساسية.
ولم يخلُ المسار التشريعي من مراجعات، إذ تم إدخال تعديلات مهمة استجابة لملاحظات المحكمة الدستورية، خصوصاً ما يتعلق بضمانات المحاكمة العادلة وحقوق الدفاع، وهو ما يعكس حساسية المرحلة وضرورة التوفيق بين النجاعة القضائية واحترام الحقوق.
ورغم ما يحمله هذا القانون من طموحات كبيرة، فإن الرهان الحقيقي يظل في حسن تنزيله على أرض الواقع، لأن النصوص وحدها لا تكفي، بل تحتاج إلى إرادة مؤسساتية قوية، وتأهيل الموارد البشرية، وتوفير الإمكانيات التقنية، حتى لا يتحول الإصلاح إلى مجرد حبر على ورق.
في النهاية، يبقى السؤال المطروح: هل سينجح هذا القانون في إعادة ثقة المواطن في القضاء، أم سيصطدم بإكراهات التطبيق كما حدث مع إصلاحات سابقة؟ الزمن وحده كفيل بالإجابة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى