الشبكة الوطنية لحقوق الإنسان: المرأة المغربية بين واقع الجبل والمدينة…
والصدق في نقل الحقيقة بقلم مدير النشر جريدة صوت الاطلس والأمين العام الشبكة الوطنية لحقوق الانسان. انوار حسن الهاتف 0661548867
يشهد المجتمع المغربي تحولات اجتماعية وثقافية متسارعة، انعكست بشكل واضح على مكانة المرأة وأدوارها داخل الأسرة والمجتمع. وبين واقع المرأة الجبلية المكافحة، والمرأة الحضرية الموظفة، والمرأة التي تعيش على هامش الحياة في بعض المدن، تتشكل صورة متعددة الأبعاد تكشف عن تفاوتات كبيرة في الفرص والظروف، رغم وحدة الانتماء إلى المجتمع نفسه. في المناطق الجبلية والقروية، تبرز المرأة كرمز للصبر والصلابة. فهي لا تكتفي بدور الأم داخل البيت، بل تتحمل أعباء الحياة اليومية بكل تفاصيلها. تستيقظ منذ ساعات الفجر الأولى لتجلب الحطب من المرتفعات، وتسهم في رعي الأغنام، وجلب الماء، والعمل في الحقول، إضافة إلى مسؤوليتها في تربية الأبناء ومساندة الزوج في تدبير شؤون الأسرة. هذه المرأة تشكل في الواقع العمود الفقري للحياة القروية، إذ لولا جهودها اليومية لما استمرت الكثير من الأسر في مواجهة قساوة الطبيعة وظروف العيش الصعبة. غير أن هذه التضحيات الكبيرة تصطدم بواقع البنية التحتية الهشة في العديد من المناطق الجبلية، حيث تعاني القرى من ضعف المسالك الطرقية وبعد المؤسسات التعليمية والخدمات الصحية. هذه الظروف تؤدي في كثير من الأحيان إلى تفاقم ظاهرة الهدر المدرسي، خاصة في صفوف الفتيات اللواتي يجدن أنفسهن مضطرات لمغادرة مقاعد الدراسة في سن مبكرة. في المقابل، استطاعت المرأة الحضرية الموظفة أن تحقق حضوراً بارزاً داخل مختلف القطاعات الحيوية بفضل التعليم والاجتهاد. فقد أصبحت المرأة المغربية اليوم حاضرة في مجالات القضاء والأمن والدرك والإدارة والمستشفيات، بل وتقلدت مناصب مهمة داخل مؤسسات الدولة والقطاع الخاص. هذا الحضور يعكس تطوراً إيجابياً في مسار تمكين المرأة وإدماجها في التنمية الوطنية. غير أن الواقع الحضري بدوره لا يخلو من التحديات، فهناك فئات من النساء يعشن ظروفاً صعبة في هوامش المدن، تعاني الفقر والهشاشة الاجتماعية، وقد تجد نفسها مضطرة إلى التسول أو العمل في ظروف قاسية. كما توجد نساء يعانين من العنف أو من تعقيدات مرتبطة بالحقوق الاجتماعية والقانونية، إضافة إلى نساء في وضعية إعاقة يواجهن صعوبات مضاعفة في الاندماج داخل المجتمع. كما أفرزت وسائل التواصل الاجتماعي، التي يُطلق عليها البعض “العالم الأزرق”، ظواهر متباينة مرتبطة بصورة المرأة في الفضاء الرقمي. فهناك نساء استطعن استثمار هذه المنصات في تقديم محتوى هادف ونظيف، مثل تعليم الطبخ ونشر المعرفة والتوعية الدينية والاجتماعية. وفي المقابل، ظهرت أيضاً أنماط من المحتوى تعتمد على الإثارة والإيحاءات غير اللائقة سعياً وراء الشهرة والربح السريع، وهو ما يثير نقاشاً واسعاً حول القيم والمسؤولية الأخلاقية في الفضاء الرقمي. وداخل هذه النقاط المتباينة لنا رأي خاص باسم الشبكة الوطنية لحقوق الإنسان أن معالجة قضايا المرأة داخل المجتمع المغربي ينبغي أن تتم وفق رؤية متوازنة تقوم على مبدأ العدالة بين الرجل والمرأة دون تغليب طرف على حساب الآخر. فحقوق المرأة مسألة أساسية في بناء مجتمع ديمقراطي، لكن هذه الحقوق يجب أن تُناقش في إطار يحفظ توازن الأسرة واستقرار المجتمع. أن بعض النقاشات المرتبطة بالقوانين الاجتماعية قد تتحول أحياناً إلى سجالات متشنجة بين من يعتبر أن المرأة ما زالت تعاني التمييز، ومن يرى أن بعض التوجهات التشريعية قد تخلق نوعاً من الاختلال داخل الأسرة. لذلك ندعو إلى اعتماد مقاربة وسطية تقوم على الحوار والتوافق، انطلاقاً من أن العلاقة بين الرجل والمرأة هي علاقة تكامل ومسؤولية مشتركة. إلى أن ظواهر مثل تزايد العزوف عن الزواج أو ارتفاع سنه لا يمكن تفسيرها بعامل واحد فقط، بل هي نتيجة تداخل عوامل اقتصادية واجتماعية وثقافية، من بينها البطالة وارتفاع تكاليف الحياة وتغير أنماط التفكير لدى الشباب. لذلك فإن معالجة هذه الظواهر تتطلب سياسات اجتماعية واقتصادية شاملة تعيد الثقة في مؤسسة الأسرة وتشجع الاستقرار الاجتماعي. وفي خضم هذه التناقضات، تبقى الحقيقة أن الحياة مليئة بالاختلافات؛ فيها الجميل كما فيها الصعب، وفيها النجاح كما فيها المعاناة. فهناك نساء استطعن تحقيق مكانة مرموقة بفضل العلم والعمل والإصرار، وهناك أخريات ما زلن يخضن معركة يومية من أجل العيش الكريم. ويبقى جوهر الرسالة أن المجتمع المتوازن هو الذي يقوم على العدل والتكامل، حيث يقف الرجل والمرأة في كفة واحدة، يتقاسمان المسؤولية في بناء الأسرة والوطن. وكما يقول المعنى العميق في القيم الدينية والإنسانية: المؤمنون والمؤمنات شركاء في إعمار الأرض، يتعاونون على الخير والصلاح، ويبتعدون عن كل ما يزرع الفرقة أو يخل بالتوازن الاجتماعي.
كلمة ختامية نابعة من قلب صادق مع الله والضمير الحي وباسم الشبكة بصفتي المتواضعة الامين العام . تناولت مثل هذه القضايا للمجتمع، ومن بينها واقع المرأة المغربية بين الجبل والمدينة، لا يقوم على منطق المديح المجاني ولا على خطاب التشاؤم المبالغ فيه، بل على قراءة واقعية لما يجري في المجتمع كما هو. فالمغرب، مثل باقي المجتمعات، يحمل في طياته صوراً متعددة: نجاحات تستحق الإشادة، واختلالات تحتاج إلى معالجة ومسؤولية جماعية. إن المرأة المغربية تقدم يومياً نماذج مختلفة من الكفاح والعطاء؛ من المرأة القروية التي تواجه قساوة الطبيعة بإرادة صلبة، إلى المرأة العاملة التي تشق طريقها في مؤسسات الدولة والقطاع الخاص، وصولاً إلى نساء يعشن ظروفاً اجتماعية صعبة ويبحثن عن فرصة للعيش الكريم. وهذه التعددية في الواقع لا يمكن اختزالها في صورة واحدة، بل تحتاج إلى نظرة متوازنة تُنصف الجميع. وقد يختلف البعض في تقييم هذا الواقع بين من يركز على الإيجابيات ومن يسلط الضوء على الاختلالات، غير أن الشبكة تؤمن بأن الحقيقة لا تُبنى على المبالغة ولا على الإنكار، بل على الصدق في نقل الواقع كما هو. فالشهادة على أوضاع المجتمع أمانة أخلاقية قبل أن تكون عملاً إعلامياً أو حقوقياً، ومن يقول كلمة حق يتحمل مسؤوليتها أمام ضميره وأمام الله. ولهذا تظل مبادئ الصدق والشفافية والوضوح والمعقول هي البوصلة التي توجه عمل الشبكة وجريدتها صوت الأطلس، بعيداً عن أي حسابات ضيقة أو بحث عن امتيازات. فعملنا يقوم أساساً على روح التطوع والتضحية لدى صحافيين وحقوقيين يؤمنون بأن خدمة الوطن تبدأ بالكلمة الصادقة وبالغيرة الحقيقية على مصلحة المجتمع. إن حب الوطن لا يعني تزيين الواقع ولا إنكار الصعوبات، بل يعني السعي إلى إصلاحه والحفاظ على توازنه واستقراره. والمغرب، بحمد الله، بلد يقوم على قيم التعايش والتسامح والاستقرار، تحت ظل الملكية العلوية الشريفة بقيادة جلالة الملك محمد السادس نصره الله، وهي ثوابت يعتز بها المغاربة ويحرصون على صونها. وفي هذا الشهر الفضيل من رمضان، نسأل الله أن يجعل كلماتنا شهادة صادقة نبتغي بها خدمة الوطن والإنسان، وأن يوفق الجميع إلى قول الحق والعمل لما فيه خير المغرب وأبنائه.