قانون المحاماة الجديد بين مقتضيات الدستور وسمو الاتفاقيات الدولية بقلم الأستاذة أمال المبروك مراسلة متعاونة مع جريدة صوت الأطلس – الرباط
أعاد القانون الجديد المنظم لمهنة المحاماة فتح نقاش واسع داخل الأوساط القانونية والحقوقية، ليس فقط بشأن طريقة تنظيم المهنة، وإنما كذلك حول مدى انسجام بعض مقتضياته مع المبادئ الدستورية والالتزامات الدولية للمملكة المغربية في مجال حماية الحقوق والحريات وضمان استقلال مهنة الدفاع. وفي انتظار ما ستقرره المؤسسات المهنية المختصة وما قد يصدر عن الجهات الدستورية والقضائية المعنية، يبرز سؤال أساسي يتعلق بكيفية التعامل مع المقتضيات القانونية التي قد تثار بشأنها إشكالات تتصل بمدى مطابقتها للدستور، خصوصاً في ظل إحالة القانون على المحكمة الدستورية. ويستند النقاش في هذا الإطار إلى المكانة التي منحها دستور المملكة للاتفاقيات الدولية المصادق عليها والمنشورة وفق الشروط القانونية. فديباجة الدستور، التي تشكل جزءاً لا يتجزأ منه، أقرت مبدأ سمو هذه الاتفاقيات على التشريعات الوطنية، مع ضرورة احترام أحكام الدستور والثوابت الوطنية وملاءمة القوانين الداخلية مع الالتزامات الدولية للمغرب. وبناءً على ذلك، فإن العلاقة بين القانون الوطني والاتفاقيات الدولية لا يمكن قراءتها بمعزل عن المنظومة الدستورية برمتها، خاصة عندما يتعلق الأمر بحقوق الدفاع، وضمانات المحاكمة العادلة، واستقلال القضاء، وحماية السر المهني، واستقلال المؤسسات المهنية. ويزداد هذا النقاش أهمية بالنظر إلى الملاحظات التي سبق أن أثيرت على المستوى الدولي بشأن بعض مقتضيات مشروع قانون المحاماة، ولا سيما ما يرتبط بتكوين المحامين وتدريبهم وتقييمهم، وحدود تدخل الإدارة في تدبير شؤون المهنة، إضافة إلى طبيعة الرقابة على قرارات الهيئات المهنية وآليات التأديب. كما طُرحت تساؤلات بشأن مدى تأثير بعض المقتضيات على استقلال المجالس المنتخبة لهيئات المحامين، وعلى التوازن الواجب توفره في الإجراءات التأديبية، فضلاً عن المخاوف المرتبطة بحماية السر المهني أثناء إجراءات التفتيش، وبالضمانات الكفيلة بحماية حق المتقاضي في الاستعانة بمحامٍ. ومن زاوية حقوقية ودستورية، فإن هذه الإشكالات تستدعي قراءة القانون الجديد ضمن منظومة أوسع، تجمع بين أحكام دستور 2011 والاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها المملكة، وبين المبادئ المستقرة المتعلقة باستقلال القضاء والمحاماة وحق كل شخص في محاكمة عادلة وفي دفاع فعلي ومستقل. ولا يعني دخول القانون حيز التنفيذ بالضرورة إغلاق باب النقاش الدستوري حول مقتضياته، إذ يظل الدفع بعدم دستورية بعض الأحكام، متى توفرت شروطه القانونية، آلية قائمة لحماية الحقوق والحريات التي يكفلها الدستور. ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة عندما يكون النص محل الدفع واجب التطبيق على النزاع ويكون من شأنه التأثير في أحد الحقوق أو الحريات الدستورية. كما أن دور القضاء يظل محورياً في ضمان احترام التسلسل القانوني ومراعاة الالتزامات الدولية للمملكة، كلما توفرت الشروط الدستورية والقانونية اللازمة لتطبيق المقتضيات الدولية ذات الصلة. إن جوهر المسألة لا يرتبط فقط بقانون مهني جديد، بل يتجاوز ذلك إلى سؤال أعمق يتعلق بالتوازن بين تنظيم مهنة المحاماة وبين صيانة استقلاليتها. فالمحامي ليس مجرد فاعل مهني، وإنما يشكل أحد مكونات منظومة العدالة، ولذلك فإن ضمان استقلاله وحماية حقه في ممارسة مهامه بحرية ومسؤولية يرتبطان بصورة مباشرة بحماية حقوق المتقاضين. ومن هذا المنطلق، فإن أي قراءة للقانون الجديد تظل في حاجة إلى استحضار المبادئ الدستورية والالتزامات الدولية للمغرب، خصوصاً تلك المرتبطة بالحق في الدفاع والمحاكمة العادلة واستقلال القضاء والمحاماة. وفي نهاية المطاف، يبقى الدفاع عن الحقوق والحريات أكبر من أن يكون مرتبطاً بظرف تشريعي عابر. فهو التزام مستمر تفرضه دولة القانون والمؤسسات، ويستمد قوته من الدستور ومن المواثيق الدولية ومن الحاجة الدائمة إلى ضمان عدالة مستقلة، ومحاماة مستقلة، ومتقاضٍ يتمتع بحقوقه كاملة أمام القضاء.