إصلاح الإدارة أمام اختبار الثقة.. وسيط المملكة يفتح النقاش حول مستقبل المرفق العمومي بقلم: سعاد البركات – الخميسات مراسلة متعاونة مع جريدة صوت الأطلس
أعادت مؤسسة وسيط المملكة النقاش حول مستقبل الإدارة المغربية إلى الواجهة، من خلال مذكرة جديدة تنظر إلى إصلاح الإدارة والوظيفة العمومية باعتباره ورشاً يتجاوز الجوانب التقنية والتنظيمية، ليصبح مرتبطاً بشكل مباشر بثقة المواطن في المؤسسات وبمدى حصوله على خدمة عمومية فعالة ومنصفة. المؤسسة ترى أن المرحلة المقبلة تستدعي نقاشاً وطنياً هادئاً وواسعاً حول الطريقة التي ينبغي أن تدار بها المرافق العمومية، وما إذا كانت الإصلاحات المتتالية قد تمكنت فعلاً من جعل الإدارة أكثر قرباً من المواطن، وأسرع في معالجة ملفاته، وأكثر وضوحاً في تحمل المسؤولية عن قراراتها. ومن هذا المنطلق، تطرح المذكرة فكرة إشراك مختلف المتدخلين في رسم معالم المرحلة القادمة، بدل التعامل مع إصلاح الإدارة باعتباره ملفاً إدارياً محضاً. فالمواطن، بحسب هذا التصور، هو الطرف الذي يختبر يومياً مدى نجاعة الإصلاح من خلال وثيقة ينتظرها، أو ملف يتطلب معالجة، أو شكاية يبحث لها عن جواب. وتلفت المؤسسة الانتباه كذلك إلى أن انتقال المسؤوليات وإعادة ترتيب الاختصاصات داخل القطاعات الحكومية قد يؤديان أحياناً إلى بطء في تدبير بعض الملفات، خصوصاً عندما لا تكون حدود المسؤولية واضحة أو عندما تنتقل الملفات من جهة إلى أخرى دون ضمان الاستمرارية اللازمة. وتعتبر مؤسسة وسيط المملكة أن مثل هذه الإشكالات لا ينبغي أن تكون سبباً في تعطيل مصالح المرتفقين، لأن تغيير الهياكل أو المسؤولين لا يعني بالضرورة توقف الإدارة عن أداء وظائفها أو تعليق حقوق المواطنين إلى حين اكتمال عملية إعادة التنظيم. وفي تصورها للإصلاح، لا تقف المؤسسة عند حدود الرقمنة أو تبسيط الإجراءات، بل تربط تحديث الإدارة أيضاً بطريقة تعامل الموظف والمرفق مع المواطن، وبمدى القدرة على الإنصات، وتقديم المعلومة الصحيحة، وتفسير القرارات، ومعالجة الأخطاء والاختلالات عند وقوعها. كما تبرز الحاجة إلى جعل تقييم أداء الإدارات أكثر ارتباطاً بالنتائج الملموسة، من خلال اعتماد معايير يمكن للمواطن أن يلمس آثارها، مثل احترام الآجال، سهولة الحصول على الخدمات، جودة الاستقبال، فعالية معالجة الشكايات، ومدى الاستجابة للتوصيات والملاحظات. وتقترح المذكرة، في هذا الإطار، أن يكون إصلاح الإدارة ورشاً وطنياً مستمراً، تتقاطع فيه جهود التبسيط والرقمنة واللاتمركز وتخليق المرفق العمومي وتحديث الوظيفة العمومية، ضمن رؤية واحدة بدل تعدد المبادرات وتشتت المسؤوليات. ويكتسي هذا الطرح أهمية خاصة مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية المقبلة، وما يمكن أن تفرزه من نقاشات حول البرامج الحكومية والأولويات الوطنية، وفي مقدمتها سؤال الإدارة التي يريدها المغرب في السنوات المقبلة. فالرهان الحقيقي، وفق القراءة التي تطرحها مؤسسة وسيط المملكة، ليس فقط تغيير القوانين والهياكل، وإنما بناء إدارة أكثر وضوحاً ونجاعة واستمرارية، يكون المواطن قادراً على معرفة الجهة المسؤولة عن ملفه، والحصول على جواب داخل أجل معقول، ومعرفة مصير تظلمه عندما يواجه صعوبة. ومن هنا تبرز أهمية الحوار العمومي المقترح، باعتباره فرصة لإعادة التفكير في نموذج الإدارة العمومية، وربط الإصلاح بنتائجه اليومية على المواطن، حتى تصبح جودة المرفق العمومي مؤشراً أساسياً على نجاح الإصلاح وليس مجرد عنوان ضمن البرامج الحكومية. جريدة صوت الأطلس تتابع هذا النقاش من زاوية اعتبار الإدارة العمومية أحد أهم الواجهات التي تتشكل من خلالها علاقة المواطن بالمؤسسات، وهو ما يجعل إصلاحها مسؤولية وطنية تتطلب الوضوح والاستمرارية وربط المسؤولية بالمحاسبة والنتائج.