شباب الوطن بين قوارب الهجرة وكراسي الامتيازات: من يدفع ثمن اختلال العدالة الاجتماعية؟ حين يهرب الشباب من الوطن ويتمسك الشيوخ بالكراسي ..من يحاسب المسؤول عن ضياع الحلم المغربي؟ تحت مجهر الشبكة الوطنية لحقوق الإنسان بقلم: أنوار حسن
مدير جريدة صوت الأطلس والأمين العام للشبكة الوطنية لحقوق الإنسان في مغرب اليوم، تتزاحم الأسئلة الكبرى في وجدان المواطنين، بينما تتسع الهوة بين الخطاب الرسمي الذي يتحدث عن التنمية والإنجازات، وبين واقع اجتماعي يزداد قسوة على فئات واسعة من الشعب. فكيف يمكن تفسير مشهد آلاف الشباب الذين يغامرون بحياتهم في عرض البحر، هرباً من البطالة والتهميش وانسداد الآفاق، في الوقت الذي تستمر فيه نفس الوجوه في احتلال مواقع القرار وكأن الوطن لم ينجب غيرها؟ إن ظاهرة “الحريك” لم تعد مجرد هجرة سرية، بل تحولت إلى استفتاء شعبي صامت على حجم الإحباط الذي يسكن قلوب الشباب المغربي. إنها رسالة موجعة تقول إن جزءاً مهماً من أبناء هذا الوطن فقدوا الثقة في إمكانية تحقيق أحلامهم داخل بلدهم، بعدما اصطدموا بواقع تغلب عليه المحسوبية وتضارب المصالح وتكافؤ الفرص المفقود. وفي المقابل، يصر بعض أبواق التلميع الإعلامي على تسويق صورة وردية لا تعكس حقيقة ما يعيشه المواطن البسيط. إعلام يبالغ في إبراز الإيجابيات ويتجاهل الأزمات الاجتماعية والاقتصادية، وكأن دوره لم يعد نقل الحقيقة كاملة، بل تزيين الواقع وإخفاء مواطن الخلل. والحال أن الصحافة الحرة لا تُقاس بعدد قصائد المديح التي تكتبها، بل بقدرتها على قول كلمة الحق والدفاع عن قضايا المجتمع مهما كانت حساسة. المثير للاستغراب أن بعض القوى السياسية التي شاركت في تدبير الشأن العام، وما زالت تتحمل مسؤولية مباشرة أو غير مباشرة فيما آلت إليه أوضاع عدد من القطاعات، بدأت مبكراً في رسم معالم معارك انتخابية جديدة، وكأن ذاكرة المغاربة قد مُسحت من سجل المعاناة اليومية. بدل تقديم حصيلة واضحة ومصارحة المواطنين بالحقيقة، يتم اللجوء إلى لغة التلميحات والدعاية وإعادة إنتاج نفس الوعود التي سئمها الشارع المغربي. وإذا كانت الديمقراطية تقوم على التداول وتجديد النخب، فإن استمرار احتكار المشهد السياسي والإداري من طرف أسماء ظلت لعقود طويلة في مواقع النفوذ يطرح أكثر من علامة استفهام. فالشباب الذين يشكلون القوة الحقيقية للأمة ما زالوا ينتظرون فرصتهم للمساهمة في صناعة القرار، بينما تُغلق في وجوههم الأبواب الواحدة تلو الأخرى. إن المغرب في حاجة إلى ثورة هادئة في العقليات قبل المؤسسات؛ ثورة تعيد الاعتبار للكفاءة بدل الولاء، وللاستحقاق بدل الامتياز، وللشباب بدل منطق الاحتكار السياسي. فالأوطان لا تبنى بالشعارات ولا بحملات التلميع، بل ببناء الثقة بين المواطن والمؤسسات، وبمحاربة الفساد والريع وتضارب المصالح، وربط المسؤولية بالمحاسبة. إن الشبكة الوطنية لحقوق الإنسان تؤمن أن مستقبل المغرب لن يصنعه أصحاب المصالح الضيقة، ولا محترفو التسويق السياسي، بل سيصنعه شباب هذا الوطن الذين يستحقون الكرامة والعدالة والفرص المتكافئة. كما تؤمن أن الدفاع عن المظلومين وكشف الاختلالات ليس موقفاً سياسياً ضيقاً، بل واجب وطني وأخلاقي يفرضه الانحياز للحقيقة وخدمة الصالح العام. ويبقى السؤال الذي ينتظر جواباً صريحاً: هل سننجح في إعادة الثقة لشباب الوطن قبل أن تتحول قوارب الهجرة إلى الخيار الوحيد أمام أجيال كاملة؟ أم أن مسلسل تجاهل المطالب الاجتماعية سيستمر إلى أجل غير معلوم؟ والله من وراء القصد.