عاد ملف العنف المدرسي إلى الواجهة من جديد داخل مدرسة محمد الفقيه القري بمدينة بوسكورة، بإقليم النواصر، بعدما أثارت واقعة جديدة يُشتبه في ارتباطها بتعنيف تلميذة تتابع دراستها بالمستوى الرابع ابتدائي، تساؤلات حول أسباب تكرار مثل هذه الحوادث داخل المؤسسة نفسها، ومدى نجاعة التدابير المتخذة لحماية التلاميذ وضمان حقهم في التعلم داخل بيئة آمنة.
فخلال السنة الماضية، تعرض تلميذ، وفق المعطيات المتوفرة، لاعتداء جسدي على مستوى الوجه والجسم، وهو ما خلف لديه آثاراً نفسية، كما حصلت أسرته على شهادة طبية حددت مدة العجز في 23 يوماً. وأمام خطورة الواقعة، اضطر والد التلميذ إلى اللجوء إلى القضاء، من أجل المطالبة بإنصاف ابنه وترتيب المسؤوليات القانونية اللازمة.
وحسب المعطيات المقدمة بشأن الملف، صدر حكم ابتدائي بتاريخ 26 مارس 2026، قضى أربعه أشهر موقوف التنفيذ في حق الأستاذ المعني، وغرامة مالية قدرها 500 درهم، إضافة إلى مبلغ 10 آلاف درهم لفائدة المطالبين بالحق المدني. ولا تزال القضية، وفق المعطيات نفسها، في مرحلة الاستئناف، حيث حُدد تاريخ 14 أكتوبر 2026 موعداً للجلسة المقبلة.
غير أن ما يثير القلق اليوم هو عودة الحديث عن واقعة جديدة مع بداية الموسم الدراسي الحالي، بعدما تقدمت أسرة تلميذة تتابع دراستها بالمستوى الرابع ابتدائي بشكاية بشأن تعرض ابنتها للتعنيف من طرف أستاذة، وفق ما أفادت به الأسرة. وهو ما يعيد إلى الواجهة سؤالاً جوهرياً: لماذا تتكرر مثل هذه الوقائع داخل المؤسسة نفسها؟ وما التدابير التي ينبغي اتخاذها حتى لا يجد التلاميذ أنفسهم أمام تجارب قد تؤثر في سلامتهم النفسية والجسدية ومسارهم الدراسي؟
وفي هذا السياق، لجأت أسرة التلميذة إلى تقديم شكاية لدى النيابة العامة، وأخرى لدى المديرية الإقليمية لوزارة التربية الوطنية بإقليم النواصر، في انتظار ما ستسفر عنه الإجراءات التي ستتخذها الجهات المختصة للتحقق من ملابسات الواقعة والاستماع إلى مختلف الأطراف المعنية.
إن المدرسة ليست مجرد فضاء لتلقي الدروس، بل مؤسسة تربوية يفترض أن يشعر فيها الطفل بالأمان والاحترام، وأن يجد فيها من يوجهه ويؤطره، بعيداً عن كل سلوك من شأنه المساس بكرامته أو سلامته. فالتربية الحقيقية تقوم على الحوار والانضباط المسؤول والاحتواء النفسي، لا على العنف أو الترهيب.
ومن هنا، يبرز دور المديرية الإقليمية للتعليم بإقليم النواصر، والأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لجهة الدار البيضاء–سطات، في التعامل الجدي مع الشكايات المعروضة عليها، والتحقق من الوقائع، والاستماع إلى الأسر والأطر التربوية، واتخاذ التدابير المناسبة وفقاً للقوانين والمساطر الجاري بها العمل، مع ضمان حقوق جميع الأطراف وعدم إصدار أحكام مسبقة قبل استكمال البحث.
كما يحق للرأي العام أن يتساءل عن مدى تفعيل آليات الوقاية من العنف المدرسي، وعن الإجراءات المعتمدة لتلقي شكايات التلاميذ وأولياء أمورهم ومعالجتها، بما يضمن عدم تكرار الوقائع وحماية الأطفال من كل أشكال الإيذاء داخل المؤسسات التعليمية.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية التوجيهات الملكية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، الرامية إلى الارتقاء بمنظومة التربية والتكوين وتعزيز مكانة المدرسة في بناء الإنسان والمجتمع. ومن هذا المنطلق، فإن حماية المتعلم داخل المؤسسة التعليمية ليست مجرد إجراء إداري، بل مسؤولية تربوية وأخلاقية وقانونية تستوجب توفير بيئة آمنة تحفظ كرامة الطفل وتضمن حقه في التعلم.
كما أن التصدي للعنف المدرسي يتطلب تضافر جهود الإدارة التربوية والأطر التعليمية والأسر والجهات المختصة، من خلال اعتماد مقاربة وقائية وتربوية، وتفعيل آليات الاستماع والتبليغ والتدخل، مع التعامل بجدية مع كل شكاية، بعيداً عن التسرع في إصدار الأحكام أو تجاهل المخاوف التي تعبر عنها الأسر.
ويظل السؤال المطروح بإلحاح: هل ستتحرك الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لجهة الدار البيضاء–سطات لإيفاد لجنة مختصة إلى مدرسة محمد الفقيه القري ببوسكورة، للوقوف على حقيقة ما جرى، والاستماع إلى جميع الأطراف، وتحديد مكامن الخلل، واتخاذ الإجراءات اللازمة وفق القانون؟
إن تكرار الشكايات المرتبطة بالعنف المدرسي، إن تأكدت وقائعها، يستوجب مراجعة التدابير الوقائية المعتمدة داخل المؤسسة، والعمل على ضمان عدم تكرار مثل هذه الأحداث، حتى لا تتحول المدرسة من فضاء للتربية والتعلم إلى مصدر للخوف والقلق لدى التلاميذ وأسرهم.
فالرسالة واضحة: حماية التلميذ مسؤولية لا تقبل التأجيل، وكرامة الطفل وسلامته النفسية والجسدية يجب أن تظلا فوق كل اعتبار. كما أن ربط المسؤولية بالمحاسبة يقتضي التحقق من الوقائع، وترتيب الآثار القانونية عند ثبوت أي مخالفة، مع ضمان حق الرد المكفول لجميع الأطراف.
في انتظار تدخل الجهات المختصة، يبقى السؤال قائماً: إلى متى سيظل ملف العنف المدرسي يثير القلق داخل المؤسسة نفسها؟ وهل ستشهد المرحلة المقبلة إجراءات ملموسة تعيد الثقة إلى الأسر وتضمن للتلاميذ حقهم في التمدرس داخل بيئة آمنة وسليمة؟