الحقوقي والصحفي بين حسن النية وواجب الحيطة والحذر. بقلم مدير النشر جريدة صوت الاطلس والأمين العام الشبكة الوطنية لحقوق الانسان انوار حسن الهاتف 0661548867
هذه رسالة توعوية إلى كل حقوقي وصحفي، وليست اتهامًا لأي جهة، ولا تشهيرًا بأي شخص، ولا تجريحًا في مؤسسة أو جهاز. الحقوقي والصحفي يشتغلان داخل المجتمع، ويتعاملان يوميًا مع مختلف المؤسسات والمسؤولين ورجال السلطة والأمن والمواطنين. ومن الطبيعي أن تقوم بينهم علاقات من الاحترام وحسن التعامل والتعاون في إطار القانون والمصلحة العامة. لكن هناك قاعدة يجب ألا تغيب عن الذهن: حسن المعاملة لا يعني إسقاط الحيطة، والابتسامة لا تعني ضمانًا للمستقبل، والعلاقة الطيبة لا ينبغي أن تتحول إلى شعور بالحصانة. قد يجد الحقوقي أو الصحفي نفسه في مرحلة من المراحل محل ترحيب وتقدير وتعاون من بعض المسؤولين، وقد تنشأ علاقات إنسانية محترمة، وهذا أمر إيجابي ما دام داخل حدود القانون والاستقلالية. لكن السؤال الحقيقي يظهر عندما تتغير الظروف. هل تبقى العلاقة الشخصية حاضرة عندما يدخل الموضوع في إطار قانوني أو مسطرة رسمية؟ هنا يجب أن يكون الجواب واضحًا: الصفة الحقوقية والصحفية يجب أن تبقى مستقلة، والقانون وحده هو المرجع. فالمصلحة العامة لا ينبغي أن تبنى على الصداقة، ولا على المجاملة، ولا على انتظار المعاملة بالمثل. والحقوقي الذي يقدم معلومة أو يبلغ عن شبهة، والصحفي الذي ينشر مادة مهنية وفق الضوابط، لا يفعل ذلك بحثًا عن حماية شخصية، وإنما يؤدي واجبًا تجاه المجتمع والوطن. ومن واقع تجربة شخصية، قد يجد الإنسان نفسه في وضعية لم يكن يتوقعها، رغم اعتقاده بأنه تصرف بحسن نية وفي إطار القانون، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بإبلاغ الجهات المختصة عن شبهة تستوجب البحث والتحقق، دون إصدار حكم مسبق أو تشهير بأي شخص. وهنا تظهر أهمية الاحتياط. لا تجعل علاقتك الطيبة بأي جهة سببًا للتخلي عن التوثيق، ولا تجعل ثقتك في أي شخص بديلًا عن احترام المساطر القانونية. فالحقوقي ليس فوق القانون، والصحفي ليس فوق القانون، والمسؤول كذلك ليس فوق القانون. والجميع في النهاية يحتاج إلى حماية القانون وضماناته. لذلك، على الحقوقي والصحفي أن يضعا أمامهما خطوطًا واضحة: لا تتعامل مع الصداقة باعتبارها حصانة. لا تعتمد على الوعود الشفوية في الملفات الحساسة. حافظ على استقلالية الصفة الحقوقية والمهنية. وثق المراسلات والتبليغات والوثائق وفق القانون. لا تنشر معلومة قبل التأكد منها. لا تتهم شخصًا قبل ثبوت مسؤوليته. لا تسمح للمجاملة بأن تؤثر في موقفك المهني. وعندما يكون الملف حساسًا، اجعل القانون والمساطر الرسمية فوق العلاقات الشخصية. أما “المخزن”، بالمعنى المتداول في المجتمع، فهو مؤسسات وأفراد لهم أدوار قانونية وإدارية وأمنية مختلفة، وليس من المنصف وضع الجميع في خانة واحدة. هناك رجال سلطة وأمن ومسؤولون يؤدون واجبهم باحترام ونزاهة، وهناك كذلك اختلاف في المواقف والتقديرات، وهذا جزء من طبيعة العمل المؤسساتي. لكن الرسالة التي نريد إيصالها ليست ضد أحد. إنها ببساطة: لا تجعل صداقتك مع أي مسؤول أو موظف سببًا في رفع مستوى ثقتك إلى درجة الغرور أو الشعور بأنك محمي من كل طارئ. ففي لحظة الخلاف أو المحنة، قد تصبح المسألة قانونية ومؤسساتية، وعندها لا ينبغي للحقوقي أو الصحفي أن يبني موقفه على سؤال: “من سيقف معي؟” بل على سؤال أهم: هل كنت ملتزمًا بالقانون؟ وهل كنت أملك ما يثبت سلامة موقفي؟ هذه هي الحماية الحقيقية. والحقيقة التي ينبغي أن يفهمها كل من يحمل صفة حقوقية أو مهنية صحفية هي أن الإنسان، مهما كانت علاقاته، قد يجد نفسه في لحظة شدة محتاجًا أولًا إلى أسرته، ثم إلى القانون، وإلى المؤسسات المختصة، وإلى كل شخص شريف يسانده في إطار القانون. لذلك، لا تبنوا حياتكم المهنية على الصداقة وحدها. ابنوا مواقفكم على المصداقية والوضوح والتوثيق واحترام القانون وحسن النية. والأهم من كل ذلك: ضعوا الله أولًا، والوطن ثانيًا، والقانون فوق الجميع، واجعلوا الصفة الحقوقية والصحفية تكليفًا لا تشريفًا. فالاحتياط ليس سوء ظن، والحذر ليس عداوة، والاستقلالية ليست خصومة. إنها ببساطة حماية للإنسان، وحماية للصفة، وحماية للمهنة من أي طارئ قد يأتي في المستقبل. ومن الشك إلى اليقين: لا حصانة أمام البحث القانوني، ولا إدانة قبل ثبوت الحقيقة. وتمعنوا جيدا على هذه الخاتمة الحقوقي والصحفي بين حسن النية وواجب الحيطة والحذر: لا صداقة فوق القانون ولا حصانة أمام المسؤولية.