العزلة الإيجابية قوة ووعي… والاختلاط السلبي قد يضع الإنسان في دائرة الشبهة ويفقده ثقة المجتمع
العزلة الإيجابية قوة ووعي… والاختلاط السلبي قد يضع الإنسان في دائرة الشبهة ويفقده ثقة المجتمع
Spread the love
العزلة الإيجابية ليست هروباً من المجتمع… والاختلاط ليس دائماً دليلاً على حسن العلاقات. بقلم مدير جريدة صوت الاطلس والأمين العام الشبكة الوطنية لحقوق الإنسان انوار حسن الهاتف 0661548867.
أتمنى أن يكون الفهم الصحيح إلى هذا المنشور الذي لنا فيه محبة للمصلحة العامة للجميع دون استثناء. من أرض الواقع، ومن داخل المجتمع المغربي بكل إيجابياته وسلبياته، تأتي هذه الرسالة بكل صراحة ووضوح، دون زواق، دون مكياج، ودون مجاملة. هناك مثل شعبي ورثناه عن أجدادنا يقول: «مع من شفتك، مع من شبهتك». قد يبدو هذا المثل قاسياً، لكنه في الواقع يحمل جانباً من الحكمة الاجتماعية؛ لأن الإنسان لا يعيش منفصلاً عن محيطه، والناس غالباً يحكمون على الشخص من خلال سلوكه، ومن خلال الأشخاص الذين يختار مخالطتهم ومجالستهم. وهنا يجب أن نكون واضحين: مرافقة شخص مشبوه أو معروف بسلوك سلبي لا تعني بالضرورة أن مرافقه شريك في أفعاله، لكن كثرة الاختلاط به قد تضع الإنسان في دائرة الشبهة، وقد تجعل صورته الأخلاقية والاجتماعية موضع تساؤل. ومن هنا يأتي الفرق بين الاختلاط الإيجابي والاختلاط السلبي. ليس المطلوب أن يقطع الإنسان علاقته بالمجتمع، ولا أن يعيش منعزلاً عن الناس، وإنما المطلوب أن يعرف جيداً من يخالط، ولماذا يخالط، وما الذي يضيفه ذلك الاختلاط إلى شخصيته وحياته. فقد يكون الإنسان بين الناس جسداً، لكنه يعيش بعيداً عن كل ما هو سلبي، وقد يكون وحيداً في بيته، لكنه يعيش عزلة مؤلمة تدفعه إلى فقدان الثقة بالنفس والانغلاق واليأس. لذلك نحن نتحدث عن العزلة الإيجابية، وهي أن يبتعد الإنسان عن الضجيج، والقيل والقال، والمشاكل المفتعلة، والأشخاص الذين لا يضيفون إلى حياته إلا الشك والتوتر، وأن يستثمر وقته في القراءة، والتعلم، والتأمل، ومراجعة النفس، والاطلاع على العالم، والعمل النافع. هذه العزلة قد تمنح الإنسان: أولاً: قوة الإيمان والثبات على المبادئ. ثانياً: الثقة بالنفس والاستقلالية في اتخاذ القرار. ثالثاً: الراحة النفسية والصفاء الداخلي. رابعاً: القدرة على مواصلة العمل النافع وخدمة الآخرين. خامساً: حماية الإنسان من الانجرار وراء سلوكيات قد يندم عليها مستقبلاً. أما العزلة السلبية فهي شيء آخر تماماً؛ عندما يتحول الابتعاد عن الناس إلى قطيعة، ويأس، وفقدان للثقة، وانغلاق على الذات، ورفض للمجتمع، فقد تصبح سبباً في تدهور الحالة النفسية بدل أن تكون وسيلة للإصلاح. وفي مجتمعنا المغربي، لا يمكن أن ننكر وجود مشاكل اجتماعية واقتصادية حقيقية، من البطالة إلى صعوبة بعض الخدمات، وتضارب المصالح، وتراجع الثقة بين بعض أفراد المجتمع، وحتى داخل بعض الأسر، حيث أصبحت القطيعة والقيل والقال والنزاعات سبباً في تفكك العلاقات. لكن مواجهة هذه الظواهر لا تكون بالأنانية ولا بمنطق: «أنا لا أعرف إلا أبي وأمي وإخوتي، والباقي ما سوقي فيهم». بل تكون ببناء شخصية مستقلة، تعرف حدودها، وتحترم الآخرين، وتساعد حيث تستطيع، وتبتعد عن مواطن الشبهة دون أن تفقد إنسانيتها أو إحساسها بالمسؤولية تجاه المجتمع. وبالنسبة لمن يحمل صفة حقوقية أو صحافية، فالأمر أكثر حساسية؛ لأن الصفة ليست امتيازاً، وإنما مسؤولية، وأي شخص يختار أن يكون قريباً من أصحاب المشاكل والشبهات بشكل دائم، قد يجد نفسه أمام صورة اجتماعية لا تعكس بالضرورة حقيقة نواياه. ولهذا نقولها بوضوح: النزاهة ليست كلاماً يقال، وإنما سلوك يومي. والاستقلالية ليست شعاراً، وإنما قرار له ثمن. والمصداقية لا تُبنى بالمجاملة، وإنما بالوضوح والشفافية والابتعاد عن المصالح المشبوهة. ومن هذا المنطلق، فإن اختيارنا للاستغناء عن الدعم العمومي، سواء تعلق الأمر بـجريدة صوت الأطلس أو بـالشبكة الوطنية لحقوق الإنسان، هو بالنسبة لنا جزء من قناعة الاستقلالية وتحمل المسؤولية، وليس وسيلة للتفاخر أو إعطاء صكوك البراءة لأحد. نحن لا ندعي الكمال، ولا نملك حق الحكم على نوايا الناس، ولا نتهم أحداً لمجرد الشبهة. لكننا نؤمن بأن الإنسان مسؤول عن اختياراته، وعن محيطه، وعن صورته أمام الناس، والأهم من ذلك كله عن قلبه وضميره أمام الله سبحانه وتعالى. قال تعالى: ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا﴾ الحياة قصيرة، مهما طال عمر الإنسان، وستأتي لحظة تنتهي فيها كل المناصب والصفات والمصالح والأموال والعلاقات، ولا يبقى للإنسان إلا ما قدمه من خير، وما تركه من أثر طيب. لذلك، إذا أردت أن تكسب احترام الناس، ابتعد عن مواطن الشبهة، لا تدخل في كل معركة، لا تجعل القيل والقال غذاءً لحياتك، ولا تسمح لأحد أن يجرّك إلى مكان لا يشبه مبادئك. كن حراً في قرارك، مستقلاً في تفكيرك، نظيفاً في تعاملك، شجاعاً في قول الحق، ومتوازناً في علاقتك بالآخرين. هذه ليست دعوة إلى الانعزال عن المجتمع، بل دعوة إلى حسن اختيار الطريق والأشخاص والمواقف. وفي النهاية: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير». والقوة ليست في كثرة العلاقات، ولا في كثرة الظهور، ولا في كثرة الكلام. القوة الحقيقية أن تعرف من تكون، وما الذي تؤمن به، وما الذي يجب أن تبتعد عنه، وأن تبقى ثابتاً على الخير حتى عندما لا يراك أحد. من الشك إلى اليقين: لا حصانة أمام البحث القضائي، ولا إدانة قبل ثبوت الحقيقة.