مجتمع

أزمة أضاحي عيد الأضحى 2026

أزمة اضاحي عيد الاضحى 2026

Spread the love

أزمة أضاحي العيد 2026 بين وعود الوفرة الرسمية وواقع الغلاء والاحتكار – نحو مقاربة قائمة على الشفافية والمساءلة
الأمانة العامة للشبكة الوطنية لحقوق الإنسان_رئاسة المندوبية الدولية للعلاقات العامة
ربدان عبد الرحيم
*عندما تصبح الشعيرة معيارا لقياس الثقة في السياسات العمومية*

عيد الأضحى ليس مجرد مناسبة دينية، بل هو لحظة اختبار سنوية لنجاعة السياسات الفلاحية والاجتماعية للدولة. فحين تتحول الأضحية من سنة مؤكدة إلى عبء مالي يفوق قدرة الطبقة الوسطى والفقيرة، يتحول النقاش من السوق إلى سؤال أعمق: هل منظومة الدعم والتدبير تحقق غايتها الدستورية في ضمان الحق في العيش الكريم والمساواة؟
النقاش الدائر اليوم في الشارع المغربي يعكس إحساسا متزايدا بالقطيعة بين المعطيات الرسمية والواقع الميداني، ويطرح ضرورة إعادة التفكير في حكامة قطاع اللحوم الحمراء ككل.
1. التشخيص: فجوة بنيوية بين الأرقام والواقع
أعلنت وزارة الفلاحة عن وفرة في العرض تفوق حاجة السوق، واستندت إلى أرقام الاستيراد والترقيم الإلكتروني للرؤوس. لكن هذه القراءة تغفل عن ثلاثة اختلالات بنيوية:
*أ. احتباس العرض عند الوسطاء الكبار:*
المعارض الفلاحية الكبرى أصبحت منصة لعمليات الشراء بالجملة من طرف “الفراقشية” والكسابة ذوي السيولة العالية. هؤلاء يحتفظون بالقطيع خارج العرض المباشر للمواطن، وينتظرون ما بعد العيد لبيعه للجزارين بأسعار مضاعفة. النتيجة: سوق يبدو فارغا قبل العيد، ومشتعلا بعده.
*ب. ضعف الرقابة على مسالك التوزيع:*
رغم وجود نظام الترقيم، لا توجد آلية شفافة تتبع مسار الأضحية من الكساب إلى المستهلك النهائي. غياب هذه التتبعية يسمح بتضخيم الأسعار في كل حلقة وساطة دون حسيب ولا رقيب.
*ج. انعكاس كلفة الأعلاف والمحروقات:*
حتى مع الدعم، بقيت كلفة الإنتاج مرتفعة بسبب تقلبات أسعار الأعلاف المستوردة. الكساب الصغير، غير القادر على التفاوض أو التخزين، ينسحب من السوق، تاركا المجال للمحتكرين الكبار الذين يمتصون الدعم ويحددون السعر.
النتيجة المنطقية: أضحية بـ 5000 إلى 8000 درهم في مدن كبرى، بينما تحدث الوزارة عن سقف 1500 درهم. هذه الفجوة ليست “خطأً تقنيا”، بل مؤشر على فشل في الحكامة.
2. البعد الحقوقي: الحق في المعلومة والحق في الاستهلاك الآمن
من منظور حقوقي، ما يحدث يمس مبدأين أساسيين:
*أ. الحق في الحصول على المعلومة:*
الفصل 27 من الدستور يضمن حق المواطن في الوصول إلى المعلومات التي بحوزة الإدارة. عندما تصدر تصريحات رسمية بأرقام لا يجدها المواطن في السوق، يتحول ذلك إلى إخلال بمبدأ الشفافية ويقوض ثقة المواطن في المؤسسة.
*ب. الحماية من الممارسات الاحتكارية:*
القانون 104.12 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة يجرم كل اتفاق أو ممارسة تهدف إلى عرقلة المنافسة ورفع الأسعار بشكل مصطنع. السؤال المطروح: هل باشرت مجلس المنافسة أو الجهات المختصة تحريات في احتكار العرض بموسم حساس كعيد الأضحى؟
غياب المساءلة يحول الدعم العمومي من أداة للتخفيف إلى ريع يستفيد منه الأقوى على حساب الأضعف.
3. البعد الديني والأخلاقي: إعادة الاعتبار للمقاصد الشرعية
الضغط الاجتماعي جعل من الأضحية “واجبا” عرفيا، رغم أنها سنة على المستطيع فقط. هنا يبرز دور التأطير الديني:
– *التذكير بالرخصة الشرعية:* الفقه واضح: غير المستطيع لا إثم عليه. نقل عن الصحابة أنهم تركوا الأضحية أحيانا مخافة أن يظنها الناس واجبة. هذه السنة النبوية في التخفيف غائبة اليوم عن الخطاب الموجه للمواطن.
– *دور المجلس العلمي الأعلى:* المطلوب ليس فتوى نظرية فقط، بل حملة تواصل ميدانية تبين أن إحياء معنى التكافل والتضامن أهم من الاستدانة لأجل شراء أضحية. البدائل موجودة: الصدقة، إطعام الطعام، دعم الأسر المتعففة.
إعادة الشعيرة إلى بعدها الروحي والاجتماعي يخفف الضغط على السوق وعلى الأسرة معا.
4. نحو حلول عملية: من التشخيص إلى المساءلة
*أ. على المستوى المؤسساتي:*
1. نشر تقارير دورية وشفافة عن مسار الدعم: من استفاد؟ كم بيعت؟ أين بيعت؟
2. تفعيل دور لجان المراقبة الإقليمية والمجلس الأعلى للحسابات في تتبع الدعم المخصص للقطيع.
3. تشجيع البيع المباشر من الكساب الصغير للمستهلك عبر منصات رقمية مؤمنة وتحت إشراف الجماعات الترابية.
*ب. على مستوى الحكامة الترابية:*
السلطات المحلية تقوم بدور كبير في تنظيم الأسواق ومنع المضاربة الميدانية. لكن هذا الدور يحتاج إلى سند قانوني أقوى وحماية من الضغوط، حتى لا يتحول الموظف المحلي إلى “حلقة ضعيفة” في مواجهة شبكات نافذة.
*ج. على مستوى المواطن والمجتمع المدني:*
التوعية بحق المستهلك، ومقاطعة الأسواق التي يثبت فيها الاحتكار، واللجوء إلى الجمعيات لحماية المستهلك، كلها أدوات ضغط مدني مشروع.
5. خاتمة: ربط المسؤولية بالمحاسبة هو المدخل الوحيد لاستعادة الثقة
ما حدث هذا الموسم ليس “عبثاً” قدر ما هو نتيجة تراكم أعطاب بنيوية في تدبير القطاع. والخروج منها لا يكون بالتصريحات المطمئنة وحدها، بل بفتح نقاش وطني شفاف يشارك فيه الكساب الصغير، الخبير، والمستهلك.
تطبيق مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة المنصوص عليه في الدستور يقتضي تحديد المسؤوليات بوضوح: وزارة الفلاحة عن سياسة الدعم، وزارة الداخلية عن تنظيم الأسواق، ومجلس المنافسة عن مراقبة الممارسات الاحتكارية.
*تحية واجبة*
وفي الأخير، لا يسعنا إلا توجيه تحية تقدير واعتزاز للسلطات المحلية في كل ربوع المملكة: قواد الملحقات الإدارية، قوات المساعدة، أعوان السلطة، عناصر الأمن الوطني والدرك الملكي، وعناصر الوقاية المدنية. مجهوداتكم الميدانية في تنظيم الأسواق والرحبات، وتأمين سلامة المواطنين، وتسهيل حركة البيع والشراء، كانت واضحة وتستحق التثمين. أنتم خط الدفاع الأول لحماية النظام العام والسكينة الاجتماعية في موسم استثنائي، واستمرار هذا الدور بمهنية وحياد هو الضمانة لمرور المناسبة في أجواء آمنة وكريمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى