التضامن ليس منشوراً على مواقع التواصل الاجتماعي، بل موقف يُختبر ساعة الشدة ويُترجم إلى أفعال. ولا يقاس بالشعارات… حين تنتهي المنشورات تبدأ حقيقة المواقف بقلم: أنوار حسن الأمين العام للشبكة الوطنية لحقوق الإنسان ومدير جريدة صوت الاطلس . الهاتف 0661548867.
إشارة قوية. الهدف من التطرق إلى هذه الكلمة التضامن نظرا ان هناك عدة اعتبارات تسود الجوهر والشكل داخل قواعدها اللغوية . لكم حرية الاختيار في قراءة المنشور من أجل التنبيه فقط. في زمن أصبحت فيه الكلمات تُكتب بضغطة زر، والمنشورات تُنشر في ثوانٍ، والصور تُرفق بعبارات الدعم والمساندة، يحق لنا أن نفتح نقاشاً حقوقياً ومدنياً صريحاً حول مفهوم التضامن، وأن نتساءل: هل يكفي أن نكتب «متضامنون مع فلان» حتى نكون قد أدّينا واجبنا الإنساني والأخلاقي تجاهه؟ أم أن التضامن الحقيقي يبدأ عندما تنتهي الكلمات ويبدأ الامتحان الفعلي للمواقف؟ إننا نرى أن التضامن قيمة إنسانية نبيلة، لا ينبغي اختزالها في منشور على فيسبوك أو مكالمة هاتفية أو عبارة عابرة تُقال أمام الناس. فالتضامن، في جوهره، التزام أخلاقي ومسؤولية إنسانية، تتجلى قيمته الحقيقية عندما يجد الإنسان نفسه أمام محنة فعلية، أو نزاع قانوني، أو اعتقال، أو جلسات قضائية، أو ظروف اجتماعية ومادية قاسية تهدد استقرار أسرته وكرامتها. عندما تتحول المساندة إلى مجرد كلمات المؤلم في بعض التجارب المدنية والحقوقية أن إعلان التضامن يكون أحياناً قوياً في لحظة تداول الخبر، لكنه يصبح ضعيفاً أو غائباً عندما يحتاج المتضرر إلى من يقف بجانبه فعلياً. تجد العبارات الرنانة، والتعليقات المتحمسة، والإعلانات المتكررة عن المساندة، لكن عندما تحين لحظة الحضور إلى المحكمة، أو مرافقة الأسرة في مساطر إدارية، أو المساهمة في مصاريف التنقل والزيارة، أو تقديم الدعم المعنوي لمن يمر بأزمة، تتقلص دائرة المساندة، وقد يجد المعني بالأمر نفسه وحيداً في مواجهة تداعيات محنته. وهنا يبرز السؤال الذي يستحق أن يواجهه كل فاعل جمعوي أو حقوقي أو مدني مع نفسه: ما القيمة العملية لتضامن لا يستطيع صاحبه أن يترجمه إلى أي فعل، ولو كان بسيطاً، عندما يصبح الآخر في أمسّ الحاجة إليه؟ ليس المقصود أن كل من أعلن التضامن ملزم بتقديم المال، أو أن القدرة المالية هي المعيار الوحيد لصدق المواقف. فهناك من لا تسمح له ظروفه المادية بالمساهمة، لكنه يستطيع أن يحضر، أو يتصل بانتظام للاطمئنان، أو يساعد في توجيه الأسرة إلى الجهة المختصة، أو يشرح مسطرة إدارية، أو يقدم معلومة قانونية موثوقة، أو يرافق المتضرر معنوياً حتى لا يشعر بأنه تُرك لمصيره. إن قيمة التضامن لا تُقاس بحجم المال وحده، وإنما بمدى صدق النية، وبما يقدمه الإنسان فعلياً في حدود استطاعته. الأسرة تتحمل المعاناة… وأين يذهب المتضامنون؟ عندما يتعرض شخص لمحنة قانونية أو اجتماعية، فإن آثارها لا تتوقف عنده، بل تمتد إلى أسرته، التي قد تجد نفسها أمام أعباء التنقل، وتكاليف الزيارة، والقلق النفسي، والالتزامات اليومية، فضلاً عن الخوف على المستقبل. في مثل هذه الظروف، تصبح الأسرة في كثير من الأحيان خط الدفاع الأول والأكثر استمراراً. تتحمل ما تستطيع من الأعباء، وتواجه القلق والتعب، وتبحث عن الوسائل الممكنة لتخفيف المعاناة، بينما قد يكتفي بعض الذين أعلنوا المساندة سابقاً بمتابعة التطورات من بعيد. إن هذه المفارقة تستحق الوقوف عندها، لا من أجل اتهام الجميع بالنفاق أو التشكيك في نيات الناس، وإنما من أجل التمييز بين التضامن باعتباره موقفاً معلناً، والتضامن باعتباره ممارسة يومية ومسؤولية أخلاقية. فليس كل غائب متخلياً، فقد تمنعه ظروفه أو التزاماته، وليس كل حاضر صادقاً بالضرورة. لكن المعيار المنصف هو ما يقدمه الإنسان في حدود إمكاناته، ومدى استمرارية دعمه، واحترامه لكرامة المتضرر وخصوصيته، بعيداً عن استغلال محنته لتحقيق الشهرة أو كسب التعاطف. التضامن الحقوقي ليس تدخلاً في القضاء ومن الضروري التأكيد أن الوقوف بجانب شخص يواجه مسطرة قضائية لا يعني التدخل في استقلال القضاء، ولا إصدار أحكام مسبقة، ولا المطالبة بإعفاء أي شخص من المساءلة القانونية. إن التضامن الحقوقي المسؤول يقوم على احترام قرينة البراءة، وضمان الحق في الدفاع، وصون الكرامة الإنسانية، ومتابعة احترام الإجراءات القانونية، ومساندة الأسر التي تواجه ظروفاً صعبة، مع ترك الفصل في الوقائع والمسؤوليات للجهات القضائية المختصة. وقد يكون الدعم الحقيقي هو مساعدة المتضرر على فهم حقوقه، وتوجيهه نحو الاستشارة القانونية المناسبة، ومرافقته في الإجراءات التي يسمح بها القانون، أو المطالبة بضمانات المحاكمة العادلة دون المساس باستقلال القضاء. أما تحويل التضامن إلى حملة للضغط أو التشهير أو إصدار أحكام ضد أشخاص ومؤسسات قبل اتضاح الحقيقة، فليس من التضامن الحقوقي المسؤول في شيء. تجربة شخصية تفتح باباً للمراجعة إن الحديث عن هذه الإشكالية ليس تنظيراً بعيداً عن الواقع، بل هو أيضاً انعكاس لتجارب إنسانية يكتشف فيها المرء، عند المرور بظروف صعبة، أن المسافة قد تكون كبيرة بين من يعلنون الوقوف إلى جانبه ومن يستطيعون الحضور فعلياً عندما يحتاج إليهم. قد يسمع الإنسان عبارات المساندة عبر الهاتف، وقد يقرأ كلمات التعاطف من أصدقاء وزملاء في العمل المدني والحقوقي، لكنه عندما يحتاج إلى مؤازرة ملموسة، يكتشف أن بعض تلك الوعود لم تتحول إلى فعل. وتترك هذه التجارب جرحاً معنوياً عميقاً، لأنها لا ترتبط فقط بغياب الدعم، بل أيضاً بالفجوة بين ما يُقال وما يُمارس. ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي عدم تعميم التجربة على الجميع، لأن بين الناس من يساند بصمت، ومن يقدم المساعدة دون إعلان، ومن يقف إلى جانب الآخرين دون انتظار مقابل أو إشادة. وهؤلاء يستحقون التقدير، لأنهم يعيدون الاعتبار للمعنى النبيل للتضامن. إن العبرة ليست في كثرة الأسماء التي تكتب عبارات المساندة، بل في وجود أشخاص يمكن الاعتماد عليهم عند الحاجة، كلٌّ بحسب استطاعته وظروفه. كيف نعيد للتضامن معناه الحقيقي؟ إننا نطلب الانتقال من ثقافة التضامن الاستهلاكي، الذي ينتهي بانتهاء المنشور، إلى ثقافة التضامن المسؤول، الذي يقوم على مبادرات عملية وواضحة، من بينها: التضامن المعنوي: التواصل المستمر مع المتضرر وأسرته، والاستماع إليهم، وتخفيف شعورهم بالعزلة، دون وعود لا يمكن الوفاء بها. التضامن الميداني: الحضور، متى كان ذلك ممكناً وقانونياً، إلى جانب المعني بالأمر في المواعيد القضائية أو الإدارية، وتقديم المساندة التي يحتاج إليها فعلياً. التضامن المادي: المساهمة الاختيارية، بحسب الاستطاعة، في مصاريف التنقل أو الزيارة أو الاحتياجات الأساسية، مع احترام كرامة الأسرة وخصوصيتها. التضامن الحقوقي: توجيه المتضرر نحو الجهات المختصة، وتقديم المعلومات الدقيقة، والمطالبة باحترام الحقوق والضمانات القانونية دون تشهير أو تحريض. التضامن المستمر: عدم اختزال المساندة في لحظة انتشار الخبر، بل مواكبة الظروف بقدر الإمكان، لأن المحن لا تنتهي دائماً بانتهاء الاهتمام الإعلامي. ولا ينبغي أن يتحول هذا التصور إلى اختبار قاسٍ لظروف الناس أو إلى مطالبة الجميع بما يفوق طاقتهم، وإنما إلى دعوة صريحة لتحمل المسؤولية الأخلاقية، والصدق في إعلان المواقف، وعدم تقديم وعود أكبر من القدرة على تنفيذها. كلمة أخيرة: التضامن عهد أخلاقي لا شعار موسمي إني بصفتي المتواضعة كأمين عام للشبكة الوطنية لحقوق الانسان أومن بأن قيمة الإنسان لا تظهر فقط في خطابه، بل في سلوكه عندما يحتاج إليه الآخرون. فالتضامن ليس تجارة بالمواقف، ولا وسيلة لبناء صورة اجتماعية، ولا مناسبة لجمع الإعجابات والتعليقات، بل هو تعبير عن الضمير الحي والشعور بالمسؤولية تجاه الإنسان في لحظات ضعفه. ومن المؤسف أن تتحول بعض عبارات المساندة إلى شعارات موسمية، تظهر عند تداول القضايا وتختفي عندما تصبح المساعدة الفعلية مطلوبة. لكن العلاج ليس في إلغاء التضامن أو فقدان الثقة في الجميع، وإنما في استعادة معناه، والتمييز بين من يستطيع أن يقدم شيئاً فيقدمه بصدق، ومن يختار الاكتفاء بالكلام، ومن يطلق وعوداً لا يلتزم بها. إن التضامن الحقيقي ليس بالضرورة مالاً كثيراً، ولا حضوراً في كل مناسبة، بل موقف صادق يتحول إلى فعل ممكن، في الوقت الذي تكون فيه الحاجة قائمة. وإذا كانت الكلمة الصادقة قادرة على تخفيف الألم، فإن الفعل الصادق يمنحها معناها الكامل. أما الكلمة التي تُقال دون نية للمساندة، أو تُستعمل لبناء صورة أمام الناس، فإنها تفقد قيمتها الأخلاقية عندما يصطدم صاحب المحنة بواقع لا يجد فيه من يسانده. لذلك، فإن رسالتنا واضحة: لا تعلنوا تضامناً لا تستطيعون الوفاء بحده الأدنى، ولا تعدوا بما لا تقدرون عليه، ولا تجعلوا من معاناة الآخرين مناسبة للظهور. قولوا ما تستطيعون فعله، وافعلوا ما تقولون، واتركوا للأفعال أن تشهد على صدق المواقف. الشبكة الوطنية لحقوق الإنسان – والتضامن مسؤولية إنسانية قبل أن يكون شعاراً.