استخلاص الديون الجماعية بقرار من وزارة الداخلية.. خطوة لتعزيز حماية المال العام وربط المسؤولية بالمحاسبة بقلم: عزيز الرحماني، مراسل متعاون مع جريدة صوت الأطلس – القنيطرة
في سياق النقاش المتواصل حول الحكامة الترابية وضرورة حماية الموارد المالية العمومية، المنسوب إلى وزير الداخلية، باعتباره إجراءً يستهدف تعزيز آليات استخلاص الديون المستحقة لفائدة الجماعات الترابية، من خلال توسيع صلاحيات ولاة الجهات وعمال العمالات والأقاليم في مباشرة إجراءات التحصيل وفق الضوابط القانونية الجاري بها العمل. وتكتسي هذه الخطوة أهمية خاصة بالنظر إلى أن مالية الجماعات ليست مجرد أرقام مسجلة في الميزانيات، بل هي موارد يفترض أن تتحول إلى طرق معبدة، ومرافق عمومية مجهزة، وخدمات اجتماعية أفضل، ومشاريع تستجيب للحاجيات اليومية للمواطنين. وكل مبلغ مستحق لا يتم استخلاصه في الوقت المناسب قد يساهم في إضعاف قدرة الجماعة على الوفاء بالتزاماتها التنموية. من تحصيل الديون إلى ترسيخ الحكامة المالية إن جوهر هذا التوجه لا ينبغي اختزاله في منح صلاحيات إضافية للسلطات الترابية، بل يتعين النظر إليه من زاوية أوسع ترتبط بمدى قدرة الإدارة على ضمان تحصيل المستحقات المالية، ومنع تحول التهاون في تدبير الجبايات إلى سبب في إهدار فرص التنمية المحلية. فحين تتراكم الديون لفائدة جماعة ترابية دون اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لاستخلاصها، يطرح الأمر تساؤلات مشروعة حول نجاعة التدبير المالي، ومدى احترام المسؤولين لواجباتهم في صيانة الموارد العمومية. ولا يعني ذلك افتراض وجود سوء نية في كل حالة، وإنما التأكيد على أن تدبير المال العام يقتضي التتبع والمراقبة والمساءلة كلما ظهرت مؤشرات تستدعي التدقيق. وبحسب المقتضيات الواردة في المعطيات المتداولة بشأن القرار، فإن الصلاحيات المفوضة إلى الولاة والعمال تشمل الترخيص بمباشرة إجراءات التحصيل الجبري بواسطة القباض الجماعيين، وانتداب مأموري التبليغ والتنفيذ، فضلاً عن البت في بعض الطلبات المتعلقة بالإعفاء أو التخفيض من مصاريف التحصيل الجبري، وفق الشروط القانونية المعمول بها. ومن شأن تفعيل هذه الآليات، متى تم في إطار القانون وبالفعالية المطلوبة، أن يعزز التنسيق بين المصالح المعنية، ويحد من استمرار الديون غير المستخلصة، ويمنح الموارد المالية المستحقة فرصة أكبر للعودة إلى الدورة المالية للجماعات. الصفقات العمومية.. حماية المال العام تبدأ قبل وقوع الاختلالات إن الحديث عن استخلاص الديون الجماعية يفتح الباب أمام نقاش أعمق حول سلامة التدبير المالي المحلي، بما في ذلك تدبير الصفقات العمومية. فحماية المال العام لا تتحقق فقط باسترجاع المستحقات بعد تراكمها، بل تبدأ كذلك من التخطيط السليم للمشاريع، واحترام قواعد المنافسة والشفافية، ومراقبة تنفيذ الصفقات، والتأكد من مطابقة الأشغال والخدمات للالتزامات التعاقدية. وفي هذا السياق، تبرز أهمية الدور الرقابي والإداري الذي تضطلع به السلطات المختصة، كلٌّ في حدود صلاحياته القانونية، من أجل التنبيه إلى الاختلالات المحتملة، وتتبع تنفيذ المشاريع، والتأكد من أن النفقات العمومية تحقق الأهداف التي رُصدت من أجلها. فإذا كانت الجماعة مطالبة باستخلاص حقوقها المالية، فهي مطالبة كذلك بتدبير نفقاتها وفق قواعد الحكامة الجيدة. ولا يمكن بناء تنمية محلية مستدامة من خلال تحصيل الأموال فقط، دون الحرص على حسن صرفها وربط الإنفاق العمومي بالنتائج الفعلية على أرض الواقع. ومع ذلك، ينبغي التمييز بين التأخر في التحصيل، والاختلال الإداري، والمخالفات التي قد تكشفها عمليات المراقبة. فوجود دين غير مستخلص لا يشكل، في حد ذاته، دليلاً على التلاعب أو الفساد، كما أن أي شبهة تتعلق بصفقة عمومية تستوجب التحقق من الوثائق والمعطيات وإخضاعها للمساطر القانونية المختصة، دون اتهام أشخاص أو جماعات قبل ثبوت الوقائع. هل تكفي الصلاحيات الجديدة لضمان النجاعة؟ إن القيمة الحقيقية لأي قرار إداري لا تقاس فقط بما يمنحه من اختصاصات، وإنما بما يحققه من نتائج قابلة للقياس والتقييم. ولذلك، فإن الرهان المطروح يتمثل في معرفة مدى انعكاس إجراءات التحصيل على تقليص الديون المتراكمة، وتحسين مداخيل الجماعات، وتعزيز قدرتها على تمويل الخدمات والمشاريع ذات الأولوية. كما أن نجاح هذا التوجه يقتضي اعتماد تتبع منتظم للديون، وتحديد المسؤوليات الإدارية بوضوح، ومعالجة أسباب التعثر، وتوفير المعطيات الضرورية للمراقبة، مع ضمان حقوق الملزمين وتمكينهم من سلوك طرق الطعن والتظلم التي يتيحها القانون. ومن المهم أيضاً أن تكون عملية التحصيل متوازنة وعادلة، فلا تتحول الصرامة الإدارية إلى إجراء آلي يتجاهل الحالات التي ينظم القانون بشأنها آجالاً أو تسهيلات أو إعفاءات، ولا يصبح التساهل غير المبرر وسيلة لتعطيل استخلاص الأموال المستحقة. المواطن هو المستفيد الأول من حماية الموارد العمومية إن المواطن لا ينتظر من القرارات الإدارية مجرد توسيع الصلاحيات أو إصدار التوجيهات، بل ينتظر أن يلمس أثرها في حياته اليومية. فحين تسترجع الجماعة مواردها المالية، يفترض أن ينعكس ذلك على قدرتها على إصلاح الطرق، وتحسين الإنارة والنظافة، وتطوير المرافق، والاستجابة للحاجيات الاجتماعية والاقتصادية للسكان، بحسب أولوياتها وإمكاناتها. ومن هنا، فإن حماية المال العام مسؤولية متكاملة تبدأ من احترام القانون، وتمر عبر التدبير المسؤول والمراقبة الفعالة، وتنتهي بالمحاسبة عند ثبوت المخالفات وفق المساطر المختصة. الخلاصة: إن تفويض صلاحيات أوسع في مجال استخلاص الديون الجماعية يمكن أن يشكل خطوة إيجابية نحو تعزيز الانضباط المالي وحماية الموارد العمومية، غير أن أثره الحقيقي سيظل رهيناً بالتنفيذ الفعلي، والشفافية، والتقييم المستمر، والتكامل بين تحصيل المداخيل ومراقبة النفقات والصفقات العمومية. فالتنمية المحلية لا تحتاج فقط إلى ميزانيات مرصودة، بل تحتاج إلى إدارة قادرة على استخلاص الحقوق، وصيانة الأموال، وضمان توجيهها إلى الأغراض التي خُصصت لها. ويبقى المبدأ الأساسي واضحاً: المال العام أمانة، والمسؤولية تكليف.