أخبار العالمأخبار دولية

الجالية المغربية بين حق الانتماء وواجب التقدير: قراءة نقدية في تصريحات وزير الصناعة والتجارة

الجالية المغربية بين حق الانتماء وواجب التقدير: قراءة نقدية في تصريحات وزير الصناعة والتجارة

Spread the love

حين يسبق الخطابُ الإحساس: مغاربة العالم بين صلابة الانتماء وحاجة الاعتراف
بقلم: بوشعيب حركاتي ( فرنسا)

مراسل جريدة صوت الاطلس

في خضم النقاش الذي أعقب تصريحات وزير الصناعة والتجارة المغربي بشأن عودة مغاربة العالم، يبرز سؤال جوهري لا يتعلق بحرفية الكلام بقدر ما يرتبط بأثره المعنوي. فالكلمات حين تصدر عن مسؤول حكومي لا تُقاس فقط بمنطقها الإداري، بل بوقعها النفسي على فئة تمثل امتدادًا استراتيجيًا للوطن.
من حيث المبدأ، لا خلاف على أن المغرب وطن أبنائه جميعًا، داخل حدوده وخارجها، وأن الانتماء لا يُشترط به مقابل. غير أن اختزال العلاقة في هذا البعد وحده قد يُفهم، ولو دون قصد، كإغفال للبعد التقديري الذي ينتظره المواطن المقيم بالخارج، لا كامتياز، بل كاعتراف مستحق.
الجالية ليست ملفًا إداريًا
مغاربة العالم ليسوا مجرد أرقام في ميزان التحويلات أو بيانات موسمية في تقارير رسمية، بل هم طاقات بشرية، واستثمارات ممتدة، وصورة وطن تُصان يوميًا في محيط دولي معقد.
لقد اختار كثير منهم أن يحملوا هوية المغرب في الجامعات، في ميادين الاقتصاد، في الرياضة والثقافة، وفي ساحات الدفاع عن القضايا الوطنية. هذا الرصيد الرمزي لا يقل أهمية عن الرصيد المالي.
الفرق بين الحق والاعتراف
صحيح أن الوطن ليس “هدية”، لكنه أيضًا ليس علاقة باردة تُدار بمنطق تقني صرف. الانتماء حق ثابت، لكن الاعتراف قيمة مضافة تعمّق هذا الحق وتمنحه بعده الإنساني.
وهنا يكمن جوهر الملاحظة: ليس في المضمون ما يُستنكر، وإنما في الطريقة التي قد توحي – دون قصد – بتقليل من حساسية اللحظة أو من انتظارات فئة ظلت دومًا وفية لبلدها.
انسجام الخطاب مع التوجيهات العليا
لقد أكد صاحب الجلالة الملك محمد السادس في خطبه المتعددة على ضرورة تعبئة كفاءات مغاربة العالم، وتيسير استثماراتهم، وتعزيز ارتباطهم بوطنهم الأم.
كما أن مؤسسات مثل مجلس الجالية المغربية بالخارج ومؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج لم تُحدث إلا لترسيخ هذا التوجه القائم على الشراكة والتقدير المتبادل.
ومن هذا المنطلق، فإن أي خطاب رسمي يُفترض أن ينسجم مع هذا النفس الاستراتيجي، وأن يُترجم روح الاعتراف التي تُعد اليوم عنصرًا أساسيًا في تقوية جسور الثقة.
نقد من موقع الحرص لا الخصومة
هذا الطرح لا يستهدف شخص الوزير، ولا يمس مقامه الاعتباري، بل يأتي من باب الحرص على تجويد الخطاب العمومي. فالمسؤولية السياسية تقتضي أحيانًا إعادة ضبط العبارات بما يراعي حساسية المتلقّي، خصوصًا حين يتعلق الأمر بجالية تعيش تحديات الاندماج في بلدان الإقامة، وفي الوقت نفسه تحافظ على ارتباطها العضوي بالوطن.
إن مغاربة العالم لا يطلبون معاملة استثنائية، لكنهم يرفضون أن يُختزل عطاؤهم في منطق بديهيات الانتماء. فبين “الحق الطبيعي” و”الاعتراف الواجب” مساحة معنوية واسعة، هي التي تصنع الفرق بين خطاب يُفهَم وخطاب يُؤثِّر.
الخلاصة
إن النقاش الدائر اليوم فرصة لتطوير أسلوب التواصل المؤسساتي، لا لتأزيمه. فالوطن الذي يعتز بأبنائه في الخارج يحتاج إلى خطاب يُشعرهم بأنهم شركاء كاملو العضوية، لا مجرد امتداد جغرافي.
النقد هنا ليس اعتراضًا، بل مساهمة في ترسيخ ثقافة الاعتراف، لأن قوة الدولة لا تقاس فقط بمؤسساتها، بل بقدرتها على الإصغاء لما بين السطور.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى