كتاب الراي

أزمة ثقة متصاعدة: الشباب المغربي يعيد تعريف علاقته بالسياسة

أزمة ثقة متصاعدة: الشباب المغربي يعيد تعريف علاقته بالسياسة

Spread the love

أزمة ثقة عميقة تهز علاقة الشباب المغربي بالسياسة
الاستاد قيشروي جواد/ قلعة السراغنة
مراسل متعاون مع جريدة صوت الاطلس

تكشف أحدث المؤشرات الصادرة عن Afrobarometer عن تحوّل لافت في نظرة الشباب المغربي إلى الحقل السياسي، حيث لم يعد العزوف مجرد حالة عابرة، بل أصبح تعبيراً عن أزمة ثقة متجذرة تمس طبيعة العلاقة بين الأجيال الصاعدة والمؤسسات.
من الوعي إلى النفور
لم يعد من الدقة اختزال موقف الشباب في اللامبالاة، إذ تشير المعطيات إلى جيل واعٍ بقضايا الشأن العام، متشبع بقيم الشفافية والمساءلة، ومتمكن من أدوات التعبير الحديثة، خاصة عبر الفضاء الرقمي. غير أن هذا الوعي اصطدم بواقع سياسي لا يواكب تطلعاته، ما أدى إلى انتقال تدريجي من الاهتمام إلى النفور، ومن المشاركة التقليدية إلى أشكال بديلة أكثر تعبيراً.
الفساد وتآكل الثقة
تضع نتائج الدراسة تفشي الفساد في صلب أسباب فقدان الثقة، ليس فقط لوجوده، بل لغياب المحاسبة الفعلية وضعف آليات الرقابة، واستمرار نفس الممارسات دون تغيير ملموس. هذا الواقع يعزز لدى الشباب الإحساس بعدم تكافؤ الفرص، ويطرح تساؤلات حول معايير الوصول إلى مواقع المسؤولية.
غياب التمثيل الحقيقي
تتجلى الأزمة أيضاً في اتساع فجوة التمثيل، حيث لا يجد الشباب أنفسهم داخل الأحزاب أو المؤسسات المنتخبة أو مراكز القرار. ويُعزى ذلك إلى استمرار هيمنة نفس النخب، وضعف تجديد القيادات، ومحدودية انفتاح الفاعلين السياسيين على الكفاءات الشابة، ما يعمق الشعور بالإقصاء.
بدائل جديدة للمشاركة
رغم هذا الوضع، لم ينسحب الشباب من الشأن العام، بل أعادوا تشكيل طرق الانخراط فيه، من خلال الاحتجاجات الميدانية، وتوظيف منصات التواصل الاجتماعي كفضاءات للنقاش والتأثير، إضافة إلى بروز أشكال حديثة من المواطنة الرقمية تعكس رغبة حقيقية في المشاركة خارج القنوات التقليدية.
تداعيات مقلقة في الأفق
استمرار هذه الأزمة ينذر بتراجع المشاركة الانتخابية، وضعف شرعية المؤسسات، وتصاعد مشاعر الإحباط، مع احتمال بروز خطابات متطرفة أو عدمية، ما يجعل من فقدان الثقة تحدياً حقيقياً للاستقرار المجتمعي.
مدخل الإصلاح واستعادة الثقة
إعادة بناء الثقة تقتضي إجراءات ملموسة، في مقدمتها تفعيل ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتعزيز الشفافية، وفتح المجال أمام الشباب لولوج مواقع القرار، إلى جانب إصلاح عميق للأحزاب بما يضمن تجديد النخب والاستجابة الفعلية لانتظارات المواطنين.
خلاصة
تكشف هذه الأزمة عن مفارقة واضحة: شباب يؤمن بقيم الديمقراطية، لكنه يشكك في ممارستها الحالية. وبين واقع الرفض وأفق الإصلاح، يبقى الرهان معقوداً على مدى قدرة الفاعلين السياسيين على استيعاب حجم التحول قبل أن يتحول النفور إلى قطيعة يصعب تداركها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى