البيان المغرب في التضامن مع ايران يكتبها الدكتور: رزوقي محمد
لجريدة صوت الاطلس
في خضم النقاش الدائر حول ما يدور في الشرق الأوسط من حرب بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية من جهة والولايات المتحدة الأمريكية واسرائيل من جهة ثانية، لا بد من وقفة لبيان موقف بلادنا مما يدور هناك. فالمغرب له منظار من خلاله يحدد موقفه من جميع القضايا في العالم؛ مفاده أن من لم يقف معنا في قضيتنا الوطنية، لا يمكن أن نسانده في محناته، وبالتالي لا يمكن أن نطالب المغاربة بالوقوف معه في معاركه. فمشاعر التعاطف التي تتجدد كلما اشتدت التوترات في الشرق الأوسط، والتي تحاول بعض الأصوات النشاز استغلالها لجرّ المغاربة إلى مسيرات ومواقف لا تتماشى ومنطق السياسة، وتتهم كل من يرفض الاصطفاف خلفها بالانحياز أو بانعدام الحس الديني. يجب استثمارها إيجابا لصالح قضيتنا الأولى، وبالتالي وجب توضيح ما انبهم من الأمور لدى العوام من الناس، حتى تستقيم اختياراتهم وتتبدد السحب من فوق عيونهم. فالموقف المغربي، رسمياً وشعبياً، ليس وليد العواطف ولا يبنى بالتأثر بالشعارات الرنانة التي تدغدغ العواطف، وإنما هو رؤية سياسية ناضجة متزنة تنطلق من احترام المصالح العليا للوطن، ومما راكمته الدبلوماسية المغربية من تجارب عبر عقود. فاختيارات المغرب الخارجية، يتم تحديدها وفق ما يخدم استقراره ويحمي أمنه ويراعي قضاياه المصيرية، وفي مقدمتها قضية وحدته الترابية. ومن هنا حق لنا أن نتساءل كما يتساءل الرأي العام الوطني هل وقفت إيران مرة إلى جانب المغرب في قضاياه الأساسية؟ وللجواب على هذا السؤال فقد تتبعنا سجل العلاقات السياسية المغربية الإيرانية فوجدناه خاليا من أية مواقف صريحة دعمت يوما مغربية الصحراء في محفل من المحافل الدولية، ولا ساندت المقترح المغربي للحكم الذاتي كما فعلت دول عديدة. بل إن المعطيات السياسية التي وقفنا عليها تشير إلى وجود روابط بين طهران وجبهة البوليساريو عبر شبكات إقليمية مرتبطة بمحور النفوذ الإيراني في شمال أفريقيا. والحال هذه، صار من الضروري أن يتعامل المغاربة بقدر كبير من الحيطة والحذر مع الدعوات التي تطالبهم بإعلان تضامنهم الغير مشروط مع النظام الإيراني. كما أنه لا يمكن تجاهل طبيعة السياسات التي انتهجها النظام الإيراني في عدد من مناطق العالم العربي والإسلامي خلال العقود الأخيرة. إلى درجة أنه ارتبط اسمه بدعم الجماعات المسلحة والتنظيمات الموازية للدول كما هو الحال في لبنان، وهو ما ساهم في تأجيج الصراعات الداخلية للدول، وإضعاف مؤسساتها المدنية والعسكرية. ولم يقتصر هذا الدعم في بعده السياسي والعسكري بل تعداه إلى البعد الروحي، ويتجلى ذلك في محاولة نشر التشيّع داخل مجتمعات سنية مستقرة تاريخياً، وفي ذلك محاولة لزعزعة أمنها الروحي وخلخلة توازنها الاجتماعي والثقافي وطمس لهويتها الدينية والحضارية. لهذا اتخذت أنظمة عربية عديدة مواقف متشابهة من النظام الصفري الإيراني. وهنا في المغرب فإن السياسة الخارجية للمملكة تقوم على مبدأين؛ مبدأ التوازن ومبدأ الوضوح؛ ويتجلى التوازن في الابتعاد عن الصراعات التي لا تخدم المصالح العليا للوطن وثوابته الوطنية، أما الوضوح فيتجلى في دعم الشركاء الذين أثبتوا صدق مواقفهم تجاه المغرب. هكذا يظهر الموقف المغربي منسجماً مع نفسه ومع منطق الدولة التي تبني قراراتها وتحالفاتها الاستراتيجية على المصالح المتبادلة. فالعلاقات بين الدول تُقاس بالمواقف حين تُختبر في اللحظات الحساسة. والتضامن بين الدول يقوم على الوفاء للمواقف الصادقة وعلى المصالح المشتركة. وإذا ما قارنا بين مواقف إيران ودول الخليج من قضية وحدتنا الترابية، فإننا نلاحظ الدور الذي قامت به دول الخليج العربي في دعم المغرب في قضيته الوطنية الأولى. فقد عبّرت هذه الدول في مناسبات عديدة عن مساندتها الصريحة للوحدة الترابية للمملكة، وأكدت دعمها لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها أساساً جدياً وواقعياً لتسوية النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية. وهذا عكس ما قامت به إيران. لذلك كان تقدير المغاربة لمواقف الأشقاء الذين دعموا قضيتهم الوطنية انعكاسا طبيعيا لمنطق الوفاء في العلاقات الدولية. وإعمالا لقاعدة الخير بالخير والبادئ أخير، والشر بالشر والبادئ أظلم. وإذا كان هذا هو حال العلاقات الخارجية بين الدول، فإن المغرب حريص على التمييز بين الشعوب والأنظمة السياسية. فالمغاربة يكنّون كل الاحترام والتقدير للشعب الإيراني، ويتعاطفون معه في محنته ، غير أن هذا التعاطف الإنساني لا يطال نظاما لم يُظهر دعماً لقضية المغرب المصيرية.