كتاب الراي

كشف المستور في ما جرى بلقاء مدريد

كشف المستور فيما جرى بلقاء مدريد

Spread the love

كشف المستور فيما جرى بلقاء مادريد
بقلم الدكتور: رزوقي محمد

لجريدة صوت الاطلس

احتضنت السفارة الأمريكية بمدريد مؤخرا اجتماعا رسميا لتنزيل القرار الأممي رقم 2797 حضره السيد ستيفان ديسمتورا المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، والسيد مايكل والتز سفير الولايات المتحدة الأمريكية في الأمم المتحدة، والسيد مسعد بولس مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون الإفريقية، والسيد ناصر بوريطة ممثلا للمملكة المغربية، وأحمد عطاف عن الجزائر، ومحمد سالم ولد مرزوك عن موريتانيا، وحضر عن جبهة البوليساريو محمد يسلم بيسات .هذا الاجتماع حول السفارة الأمريكية بمدريد إلى غرفة للعمليات الجراحية لاستئصال ورم الانفصال، حيث لم يكن الاجتماع مجرد لقاء روتيني لبسط وجهات النظر، بل كان مناسبة لإلقاء محاضرة من طرف ممثل المغرب يحدد فيها شروط وآليات تنزيل القرار الأممي 2797. ولم يكن اختيار مدريد اعتباطيا ولا مجرد صدفة، بل لكون إسبانيا هي الدولة المحتلة للصحراء المغربية، وهي التي تحتفظ بكثير من الوثائق والأرشيف الدال على صاحب الأرض الحقيقي.
وقبل دخول الوفود أغلقت الهواتف حفاظا على سرية الاجتماع. وأعطيت التعليمات الصارمة للوفود أن لا مجال للتشويش والتنطع. ومع الدخول، دخل ناصر بوريطة يمشي في خيلاء، ويحمل تحت إبطه وثيقة ديبلوماسية من أربعين صفحة والتي ستغير وجه المنطقة لا محالة. بينما دخل محمد يسلم بيسات ممثل البوليساريو وكأنه تلميذ مشاغب تم استدعاؤه بحضور ولي أمره إلى مكتب مدير صارم وحازم، أما أحمد عطاف وزير خارجية الجزائر فقد مطأطأ الرأس، يتحاشى عدسات الكاميرات خشية أن تخلد الكاميرات لحظة الانكسار، وتوثق الجلوس رغما عنه وجها لوجه أمام المغرب، كطرف مباشر في النزاع وهو الذي طالما تغنى بأن بلاده مجرد طرف ثانوي في النزاع؛ لكنه تحت سقف السفارة الأمريكية سقطت الأقنعة وظهرت الحقيقة؛ الجزائر طرف مباشر في النزاع وهي الخصم في آن واحد.
وما زاد من أهمية الاجتماع هو الحضور الأمريكي الوازن والمتمثل في كبار مستشاري الرئيس الأمريكي ترامب نظير مسعد بولوس ومايكل والتز الذين لم يأتوا للبث في مغربية الصحراء من عدمه، فهذا أمر حسمته واشنطن منذ زمان. بل جاؤوا ليستمعوا إلى العرض المغربي حول كيفية تنزيل الحكم الذاتي، وإغلاق هذا الملف إلى الأبد.
وهنا تبرز العبقرية المغربية التي تجلت في وثيقة السيادة والتي تمت صياغتها بتنسيق مع المستشارين الملكيين الطيب الفاسي الفهري وعمر عزيمان وفؤاد عالي الهمة، بعد الأخذ بعين الاعتبار مقترحات القوى الحية في البلاد من أحزاب سياسية، تلك الوثيقة المكونة من أربعين صفحة، نزلت كالصاعقة على رؤوس الانفصاليين. فهي لم تكن ورقة إنشائية مليئة بالشعارات بل كانت ورقة تقنية دقيقة تشرح بالتفصيل كيف سيتم تفكيك مخيمات تندوف خيمة خيمة، وكيف سيتم فرز سكانها ومن سيقبله المغرب للالتحاق بوطنه الأم من غيره. فاللعبة انتهت والمغرب لم يعد يتفاوض على المبادئ بل هو من يملي شروط التنفيذ. فالوثيقة تفصل بشكل دقة مصير كل فرد من أفراد مخيمات تندوف، أي من هو الصحراوي المغربي الأصيل الذي يشمله الإحصاء الاسباني والذي يحق له العودة معززا مكرما إلى المغرب، ومن هو الموريتاني أو الجزائري أو المالي أو الكوبي الذي تم الزج به في المخيمات لتضخيم الأعداد، وهؤلاء سيتم إرجاعهم لا محالة إلى بلدانهم الأصلية. فمن الأسماء الجزائرية التي تقلدت مناصب المسؤولية في الكيان الوهمي نجد محمد أمين البوهالي وزير دفاع الكيان، وعبد الله الحبيب البلاًل، ومريم سرب حمادة، وخديجة حمدين ومحمد سالم السانوس، وبشير أحوال، وخدود حمدي، والسالك الصغير، ودحمان الصغير، وخلي هنا ولد لخفر، والسالك محمد مبارك، والغوث المامون، والسالك الطيب، وأحمد محمد العبيد… ومن الموريطانيين نجد خليل سيدي أحمد، ومحمد خداد وزير خارجية الكيان المتوفى، وسومية محمد مرحبا، وسلامة بريكا، وأبيب سلامة البشير، ومحمد لامين وليدا، والبوعماري حولي، ووالكنتي محمد ناجي مومو، والطالب عمر الديبن وماء العينين الشيخ الكبير. ومن مالي نجد فاطمة المهيدي، وحضيض التاركي… تطول اللائحة ولا يتسع المقام لذكرهم جميعا، لكن حقيقة واحدة ثابتة وهي أن كل هؤلاء غير صحراويين ولا يوجد بينهم واحد ممن تركته إسبانيا في الصحراء، بل هم مرتزقة تم تجميعهم جمعا. ولهذا السبب كان الحضور الموريتاني وازنا في الاجتماع لأن نواكشوط تعلم جيدا أن جزءا كبيرا من ساكنة المخيمات هم في الأصل مواطنون موريتانيون وعليهم الاستعداد لاستقبالهم، وكذلك الجزائريون.
أقول أن وجود البوليساريو في تندوف لم يكن قضية شعب بل لعبة قذرة لمنع المغرب من المطالبة بصحرائه الشرقية التي اقتطعتها فرنسا من التراب المغربي لتوسيع ما كان يسمى بالجزائر الفرنسية. فالمخيم بالكامل، بالكاد يتخطى الخمسين ألف صحراوي. ولا يمكن لهذا العدد أن يبني دولة ولا أن يؤسس كيانا.
فالحدود مع الجارة الجزائر حددتها اتفاقية لالا مغنية بين المغرب وفرنسا، وبأي حق ترسم لنا فرنسا حدودا مع جيراننا؟ فهي ليست جارة ولا تحمل تكليفا من المنتظم الدولي. بل إن هدف فرنسا ليس الرغبة في رسم الحدود، ولكن الإصرار على اقتطاع جزء من الأراضي المغربية وإلحاقها بالجزائر قصد التحكم في ثرواتها وخيراتها. فالصراع حول الصحراء المغربية في حقيقته صراع مع فرنسا لذلك تم استبعادها من المباحثات درءا لمفسدة إفشالها لكل محاولة من شأنها إرجاع الابن العاق إلى بيت أبيه. لكننا اليوم نقولها بصوت عال تندوف، بشار و… كلها أراض مغربية مسلوبة، ولن يهدأ لنا بال حتى نسترجعها كاملة غير منقوصة، شبرا شبرا بدليل الوثائق والخرائط والتاريخ، فلتتحمل فرنسا المسؤولية أمام الله والتاريخ والمنتظم الدولي.
لقد تحول النقاش في مدريد من الحديث عن تقرير المصير بمفهومه الانفصالي البائد إلى تقرير المصير بمفهومه الواقعي الذي يعني العودة إلى الوطن تحت السيادة المغربية أو التشرد. فكانت الضربة القاضية التي وجهتها الديبلوماسية المغربية لغريمتها الجزائرية؛ هي تحويل المسار من تفاوض سياسي عقيم إلى مسار تقني لتنزيل الحل النهائي. ما جعل الوفد الجزائري يصاب بالخرس الديبلوماسي وبالوهن العضال. فكلما حاولوا العودة للنقاشات القديمة حول الاستفتاء وغيره كان الرد الأمريكي والمغربي صارما وهو التمسك بالوثيقة التقنية التي جاء بها المقترح المغربي؛ ومفادها هو كيف سيسلم البوليساريو سلاحه؟ وكيف ستدخل الشرطة المغربية لتأمين العائدين؟ وليس لمناقشة أوهام السبعينيات من القرن الماضي. هذا التحول هو الذي جعل بعض الصحف الاسبانية تصف ما حدث بأنه أكبر عملية سلام في القرن الواحد والعشرين، مؤكدة أن الجزائر وجدت نفسها محاصرة في الزاوية التسعين لا مفر ولا مهرب لها إلا القبول بالأمر الواقع والانخراط في عملية الاستسلام المنظم وإلا مواجهة عزلة دولية خانقة واصطفافها إلى جانب المنظمات الإرهابية. وقد تجلى ضعف الديبلوماسية الجزائرية في الكواليس وفي الصور الملتقطة، إذ تشير التسريبات إلى أن المسؤولين الأمريكيين أخبروا عطاف بصريح العبارة أن الحكم الذاتي هو السقف الوحيد. هذا ما جعل وزير خارجية الجزائر عطاف يتغير لون وجهه ويتهرب من الكاميرات كأنه يتهرب من مسرح جريمة، بينما كان وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة يوزع الابتسامات يمنة ويسرة.
لقد سخرت الجزائر آلة إعلامية ضخمة في مواقع التواصل الاجتماعي من صفحات الفايسبوك والتيك توك والأقلام المأجورة من أجل تضليل شعبها والتأثير على الرأي العام. لكن حقيقة واحدة لن تتغير وهي أنه لن يدخل المغرب لا المرتزقة ولا الأفارقة ولا من تلطخت أيديهم بدماء المغاربة، ولا من ارتبط اسمه بمنظمات إرهابية. والذين سيعودون هم المغاربة المحتجزون في مخيمات الذل والعار بتندوف.
ولعل ما يثير الشفقة هو أن الذباب الالكتروني للجارة وقيادات البوليساريو الذين لم يجدوا ما يبررون به جلوسهم إلى طاولة المفاوضات والقبول بالاقتراح المغربي سوى التضليل وتفسير النصوص على هواهم. فبينما كان عطاف يمسح عرقه في جو بارد من شتاء مدريد منكسر الخاطر، كان البشير مصطفى السيد مستشار زعيم الانفصاليين يكتب مقالا تراجيديا ينذر بنهاية المرتزقة، واصفا مدريد ببلاد الشؤم والتعاسة، ويحث رفاقه للذهاب إلى اللقاء بروح الفريق الذي لا يخشى البلل وهو اعتراف ضمني وصريح بالهزيمة. فالذي يتحدث عن الغرق هو الشخص الذي أدرك أن السفينة قد غرقت فعلا في قاع البحر وأن ما يجري مجرد محاولة يائسة للنجاة. وهذا الغرق المعنوي لم يأت من فراغ بل هو نتاج لكمات متتالية سددتها لها الديبلوماسية المغربية وكان آخرها القرار الأممي رقم 2797 الذي كان بمثابة آخر مسمار في نعش أطروحة الانفصال. واليوم تأتي مدريد لتحضر مراسيم الدفن.
لكن المغرب لم يتوقف عند هذا الحد بل استطاع أن يخترق جبهة العدو، ويحدث ثقبا في جدار العدو، يطل من خلاله على مخيمات تندوفت، وذلك بواسطة التكنولوجيا الرقمية. ففي الوقت الذي كان فيه القادة يجتمعون في مدريد كانت رابطة أنصار الحكم الذاتي تطلق منصة رقمية موجهة للعائلات المحتجزة في المخيمات هناك. وهذه المنصة ليست مجرد موقع إليكتروني بل هي بمثابة قارب نجاة إلكتروني. وبمجرد إطلاقها سجل عدد كبير رغبتهم في العودة فورا إلى أرض الوطن متحدين بذلك الحصار الخانق الذي تضربه عليهم الميلشيات هناك. وهذا يدل على أن حاجز الخوف قد تحطم وأن الناس ينتظرون ثقبا صغيرا في الجدار ليندفعوا للعبور من خلاله نحو الوطن. وهذه المنصة ستكون بمثابة حصان طروادة الذي سيفكك المخيمات من الداخل.
لقد انتهى الاجتماع على أن تليه اجتماعات أخر، بغرض عرض الخلاصات على أنظار مجلس الأمن الدولي قبل متم ماي، وبالتالي قد طويت صفحة صراع مفتعل دام زهاء خمسين سنة من الزمن، واستنزف طاقات شعوب ما أحوجها إلى التنمية وبناء الذات. فهل ستشرع البوليساريو في نتف أوتاد خيامها قبل أن يجف حبر توقيع البيان الختامي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى