سبتة المحتلة: حين يتحول اليأس الاجتماعي إلى نعوش عائمة و يدفع الفقر واليأس شباب المغرب إلى الموت الجماعي على أبواب أوروبا. مراسل متعاون مع جريدة صوت الاطلس إلياس عمر ” تطوان”.
لم تعد مأساة الهجرة غير النظامية نحو سبتة المحتلة مجرد أرقام تُسجَّل في تقارير موسمية، بل أضحت مرآة دامية لوضع اجتماعي مختنق، يدفع فئات واسعة من أبناء الطبقة الفقيرة وحتى المتوسطة إلى المقامرة بأرواحهم، في غياب أفق حقيقي للعيش الكريم. سنة 2025 لم تكن سنة عبور، بل سنة سقوط جماعي في هاوية اليأس، حيث تحولت سبتة إلى مقبرة مفتوحة لشباب لم يولدوا للحلم بالموت، بل أُجبروا عليه تحت ضغط البطالة، التهميش، وانسداد سبل الإدماج الاجتماعي. شبابٌ خرجوا من بيوت أنهكها الغلاء، ومن أحياء لفظتها السياسات العمومية، فكان البحر آخر خيار، لا لأنه آمن، بل لأنه أقل قسوة من واقعهم. أزيد من 46 روحًا أُزهقت خلال محاولات العبور، ومفقودون لا يزالون بلا أسماء ولا قبور، في مشهد يكشف فشلًا مزدوجًا: فشلًا في حماية الحق في الحياة، وفشلًا أعمق في ضمان الحد الأدنى من العدالة الاجتماعية التي تحول دون تحويل الشباب إلى وقود للهجرة القاتلة. الخطير في هذه المأساة ليس فقط عدد الضحايا، بل تطبيع الموت، والتعامل معه كأمر اعتيادي، يُوثَّق عند جهة، ويُتجاهل عند أخرى، بينما تظل العائلات معلقة بين الانتظار والحداد، وبين الأمل الكاذب والخبر الصادم. إن ما يحدث على أبواب سبتة ليس أزمة حدود، بل أزمة كرامة. أزمة سياسات لم تنجح في احتواء شبابها، ولم توفر لهم شروط العيش اللائق، فتركتهم فريسة لشبكات التهريب، وأمواج البحر، ومصير مجهول. إن استمرار هذا النزيف الإنساني يفرض دق ناقوس الخطر، ويدعو إلى وقفة جادة ومسؤولة، تعترف بأن الهجرة ليست جريمة، بل نتيجة طبيعية لوضع اجتماعي مختل، وأن إنقاذ الأرواح يبدأ من إنقاذ الإنسان داخل وطنه، قبل أن يفكر في الهروب منه.